.غزة:
"نسأل أنفسنا: ماذا يمكن أن يقدم لنا هذا اليوم؟ ونحنُ اللواتي نعيش –هنا- ليس تحت سطوة العادات والتقاليد البالية فحسب، بل تحت نير الاحتلال والانقسام والمرض والفقر؟"، ليس الأمر متعلقًا –بالنسبة للكثير من النساء في قطاع غزة- بيومٍ يُذكر فيه اسم "المرأة" خجلًا على ألسنة الرجال كنوعٍ من التماشي مع طريق التحضّر والحداثة، الأمر يتعلق بـ "فكرة الإنصاف ذاتها".
"الإنصاف للأنوثة، للجهد، للبذل، للتعب.. هذه القيمة شبه المفقودة، حتى في يومٍ كيوم المرأة العالمي، الذي يمر أحيانًا دون أن نتذكّر أنه يوافق اليوم"، تقول غدير عبد الغفور.
في الوقت الذي يحطُّ فيه الثامن من آذار/ مارس من كل عام، رحاله على قلب المرأة ليربّت على أوجاعها في دول العالم كافة، يبدو الواقع في قطاع غزة مختلفًا، حيث تعيش النساء ظروفًا قاسية، أصلها احتلال، وفروعها: انقسامٌ وحصارٌ وفقر، و"كورونا" اليوم زيادة.
اقرأ/ي أيصًا:الإحصاء: 50.2% من إصابات كورونا في فلسطين نساء
"رجالٌ كُثر يتعاملون مع هذا اليوم بسخريةٍ واستخفاف، حتى لو تحدّثنا عن دور المرأة (ربة المنزل) داخل بيتها فقط" تضيف عبد الغفور.
تقول الواحدة لزوجها –إلا من رحم الله- اليوم يومي (يوم المرأة) يُفترض أن يكون لي عيدًا، هو يومٌ خاصٌ بي أستحق فيه التقدير لأجل ما أبذله على مدار العام، فيجيبها ضاحكًا بسؤالٍ يضرب بعرض الحائط كل ما رسمته في خيالها حول "تقديره" لإسنادها الداخلي هنا: "وما الذي تفعلينه أنتِ؟ أنتِ في البيت طوال الوقت، يكفي أنكِ مرتاحة 24 ساعة".
ينسى أن هذا البيت، يحتاج منها أن تكون "آلةً" لا ترتاح حتى يبدو بالصورة التي يراها هو عليها، تنظيف وترتيب، وتربية أطفال، وتدريس، وغسيل ثياب، وطهو طعام، وتدبير، وتحمّل لأي أزمة مالية طارئة، حلوياتٌ للأطفال، وفوق هذا وهذا، ابتسامةٌ تستقبله عند العودة.
"على الأقل، نريد من يسمع لحالنا. الإنصاف مطلبنا، بالفعل أو حتى بالكلمة" تضيف عبد الغفور، وهذا –حسب رأيها- مسؤولية الجميع، أفرادًا ومؤسسات أيضًا.
غدير، ابنة مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، هي أمٌ لسبعة أبناء، أكبرهم أنهى المرحلة الجامعية، وأصغرهم في الخامس الابتدائي، تعمل بشكّلٍ متقطعٍ كباحثة ميدانية في جهاز الإحصاء الفلسطيني، رغم أنها خريجة لغة إنجليزية.
اقرأ/ي أيضًا:تحت أقنعة "السكوت".. معنّفاتٌ يُخفين كدمات "العشَم"
تقول: "تعاني النساء وخاصة الخريجات، من قلّة فرص العمل، هنَّ أكثر من دفع ثمنًا للانقسام السياسي، ضاعت الكثير من حقوقهن القانونية: الميراث، قلة الرعاية الصحة، التوظيف، حتى في ظل حالة الإغلاق التي تعيشها العائلات بسبب جائحة كورونا، ازدادت فوق رأسها الأعباء لدرجة أنها تولّت مهمّة أن تصبح معلمة".
تعاني غدير كما الكثيرات من أزمة التعليم الإلكتروني، فبعد أن كانت تتابع دروس ابنها بعد عودته من المدرسة، فتؤكد على ما استقاه خلال دوامه المدرسي، اليوم باتت مسؤولة عن تعليمه الأساسي، وتأكيد المعلومة في رأسه، وحل واجباته التي ترسلها المعلمات بكل بساطة، كدورٍ أساسي اكتفين به خلال فترة الإغلاق.
تعلق بقولها: "عبء كبير على النساء، في بيئةٍ لا تتوفر فيها إمكانيات جيدة للتعليم الإلكتروني، إنترنت ضعيف، وكهرباء متقطعة معظم أوقات النهار".
إلى مدينة غزة، حيث اختارت السيدة "موناليزا المصري" الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة على طريقتها الخاصة، فهي تشغل معظم وقتها في تحديث تطبيقٍ إلكتروني قانوني خاصٍ بالنساء، تتجهز لإطلاقه قريبًا تحت اسم "فَرَمَان".
تقول موناليزا: "واقع المرأة الفلسطينية في قطاع غزة ما زال صعبًا، وهو يتأثر بشكلٍ كبيرٍ بالعادات والتقاليد التي تُقيّد النساء، وتحُدّ من قدراتهن على التواصل الاجتماعي والمشاركة، حتى أنها تحدد لهن مجالات العمل التي يعملن بها، لدرجة أن هناك مهن، ما زالت مستهجنة على النساء، أقلها البيع في محل!".
النساء الفلسطينيات تعاني الكثير من الانتهاكات القانونية –تزيد موناليزا- فحتى من تتعرض للعنف داخل الأسرة منهن، يتوجّب عليها وفقًا للعادات أن تتحمل من أجل أسرتها، وأن تتعامل مع التعنيف وكأنه أمر عادي، وهذا ينعكس سلبًا على حالتها الصحية والنفسية، والأصل أن كل هذه انتهاكاتٌ لحقوقها ويجب أن تتوقف.
موناليزا محامية، وأمٌ لطفلين، تعمل حاليًا في حاضنة تكنولوجيا المعلومات التابعة للجامعة الإسلامية، وتشغل وقتها في تطوير التطبيق الإلكتروني الذي بدأت العمل عليه منذ عام، بعد أن لاحظت خلال العديد من جلسات التثقيف القانوني التي نفذتها، قلة الوعي القانوني للنساء، ولجوئهن إلى المخاتير عند التعرّض للمشاكل.
وفكرة التطبيق: هي أنه يقدم خدمات الاستشارة القانونية مجانًا للنساء، ويتضمن العديد من النصوص القانونية، التي تسهم في جهود التوعية، فالوعي قوة كما تؤمن –موناليزا- ومن تمتلك المعرفة لن يهزمها أحد.
اقرأ/ي ايضًا:فلسطينيات يَبُحن لنوى عن حالهن الذي لا يَسُرّ!
إضافةً إلى ذلك، فهي (موناليزا)، أنشأت متجرًا للتسويق الإلكتروني خلال الحجر المنزلي، لمساعدة صاحبات المشاريع الصغيرة على تسويق منتجاتهن.
وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة، قدّمت المصري نصيحةً للنساء الفلسطينيات، مفادها: ضرورة السعي للاستفادة من التقدم التكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم في العمل ومحاولة الاستقلال ماديًا، "فالغالبية الآن يمتلكن هواتف ذكية، ويستطعن من خلالها تطوير قدراتهن ومعارفهن وخطوط العمل أيضًا".
في شمال قطاع غزة، تمضي المهندسة الزراعية ولاء عبد المنعم وقتها في متابعة مزرعة الفراولة المعلّقة التي تقيم فيها مشروعها الزراعي الخاص.
هي أيضًا تمتلك رؤيةً خاصة لليوم العالمي للمرأة، فهو يعني بالنسبة لها "جرس" ينبّه لمعاناة النساء، لا سيما المزارِعات والمهندسات الزراعيات في قطاع غزة.
تقول: "نتعرض لجملةٍ من المشاكل التي تهدد حياتنا، المجتمع الدولي يعلم بعضًا منها، وهو مسؤول عن معالجة مشاكلنا".
اقرأ/ي أيضًا:هل يدفع "تحالفٌ وطني" عَجَلةَ "قانون الأسرة"؟
هنا، تتعرض المزارِعات الفلسطينيات لإطلاق النار المتكرر على أراضيهن الزراعية من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما يجعل حياتهن معرّضة للخطر دومًا، ناهيك عن ملوحة المياه التي تهدد مزروعاتهن، بالتالي يلجأن إلى بدائل مكلفة تزيد الإرهاق المالي عليهن.
وتضيف: "الأعباء مضاعفة على المزارِعات، فهن يقُمن بدور الزراعة ورعاية البيوت واحتياجاتها، ومثلما يحتاج الأبناء إلى متابعةٍ وتربيةٍ واهتمامٍ بكل التفاصيل، أيضًا تحتاج الأرض منهن إلى متابعةٍ على مدار الوقت، هذا مرهقٌ جدًا، فالمرأة على رأس عملها في الأرض وفي البيت طوال النهار".
ليست اعتداءات الاحتلال وحدها من تشكّل خطرًا على المُزارعات، بل أيضًا وجودهن في أراضٍ مفتوحة تتواجد فيها الحشرات، وقد تظهر الأفاعي، هذا يجعل المرأة على الدوام تحت الخطر.
لكن الأصعب حتمًا –وفقًا لولاء- هو تعرُّض حياتهن للخطر بسبب الاحتلال، "في ظل نضالهن لتحقيق حياةٍ أفضل، لهن ولعائلاتهن" تردف.
تعود ولاء لتوجه تحيتها للنساء الفلسطينيات، لا سيما المزارعات المناضلات فوق تراب الرزق، بمناسبة الثامن من آذار، وتنادي فيهن روح الصمود فتكمل: "اعملن من أجل ذواتكن، ومن أجل أسركن، وكنّ أكثر ثباتًا وقوة، أنتنّ لن تلاقين الخسارة أبدًا ربحًا للبذل والعطاء والتعب".
























