شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م21:52 بتوقيت القدس

"كورونا" حاصرَ "طاقتهم"..

لا "جاذبية" في منازل الغزيين.. الأطفال أوشكوا على الطيران!

13 ديسمبر 2020 - 21:33

شبكة نوى | قطاع غزّة:

"هل الجاذبية الأرضية بخير؟"، سؤالٌ يمرُّ ببال هيام موسى كلما نظرت إلى أطفالها الثلاثة "الذين لم يتبقَّ إلا أن يطيروا" بحسب تعبيرها، بعد أن اعتمدوا القفز والجري أسلوبًا للتنقل بين غرف البيت، و"الشعلقة على حديد النوافذ" كوسيلةٍ لرؤية العالم الخارجي من داخل جحيم الحجر.

تقول لـ "نوى": "الصراخ لغة التفاهم بين الثلاثة، طوال النهار أفكُّ شجاراتهم، فإذا اتفقوا سببوا لي المشاكل مع الناس، يلقون بألعابهم البلاستيكية من النوافذ على سبيل المثال، فأجد جارًا من الأسفل يصرخ أو يشتم بينما هم يضحكون". 

"ماما، أمجد أخذ قلم تلويني، ماما أنا أمسكت المكعبات قبلها، ماما سحر ضربتني، ماما.. وماما.. وماما"، هذه نبذة عن يوم هيام، منذ أقرّت وزارة التربية والتعليم في فلسطين "التعليم عن بعد"، بسبب جائحة كورونا (كوفيد – 19) تحديدًا في بداية مارس/ آذار من العام 2020م. "ما يزيد الطين بلة (بحسب الأم)، حظر التجول، وإغلاق مرافق الترفيه أمام الزوار، الأمر الذي أجبر الناس على الجلوس بمنازلهم، باستثناء بعض الزيارات العائلية".

"كورونا" الذي حاصر الأطفال في منازلهم، حاصر معهم "طاقةً كبيرة" كانوا يفرغونها بالحديث إلى الأصدقاء في المدرسة تارةً، وبالاستماع إلى شرح المدرسين وتفاعل الطلبة تارةً

"كورونا" الذي حاصر الأطفال في منازلهم، حاصر معهم "طاقةً كبيرة" كانوا يفرغونها بالحديث إلى الأصدقاء في المدرسة تارةً، وبالاستماع إلى شرح المدرسين وتفاعل الطلبة تارةً، وبالمشاركة في الأنشطة واللعب والفعاليات المدرسية تارةً ثالثة، لكنهم اليوم، باتوا لا يجدون داخل البيوت إلا بعضهم البعض، هذا يضرب ذاك، وآخر يشتم، وثالثٌ أضحى عصبيًا عنيفًا، ورابعٌ لا يتوقف عن الكلام، وخامسٌ انطوى على نفسه مللًا..

بالعودة إلى هيام، تضيف: "رغم حركتهم الكثيرة في المنزل، وتدميرهم لممتلكاته بدون مبالغة، إلا أنني في الوقت ذاته حزينة من أجلهم، فالبيت أصبح كالسجن، أمام أكثر فئة تحتاج إلى الحركة والتفريغ في هذه الآونة".

أطفال هيام الثلاثة الذين تتراوح أعمارهم ما بين 5 و11 عامًا، لا يدركون معنى أن هناك عدوٌ خفيٌ يتربص بهم خارج باب البيت اسمه "كورونا"، خاصةً الصغير الذي انضم إلى رياض الأطفال حديثًا، فهو لم يداوم سوى حوالي أسبوع، ثم توجهت روضته للتعليم الإلكتروني، تزيد: "تخيلوا أنه يظن نفسه السبب في حدوث ذلك؟ بعد الدوام بأسبوع أصيب بالأنفلونزا، وفي نفس الوقت صدر قرار التعليم حول (التعليم عن بعد)، وهذا ما جعله يعتقد أنه تسبب بظهور كورونا في روضته، ولهذا أغلقت أبوابها". 

إسلام عطالله، هي الأخرى، تصف وضع أبنائها في الحجر بقولها: "كورونا أفسد كل شيء، لقد دمر كل ما بنيناه في أبنائنا قبل وصوله".

لا تستطيع إسلام السيطرة على أبنائها أبدًا، وحتى تتمكن من متابعة أعمال بيتها، والخروج إلى عملها بسلام، تُجبر على السماح لهم باستخدام أجهزة الموبايل، التي أصبح لهم منها واحدًا خاصًا بحجة التعليم الإلكتروني، تعقب: "للأسف، لا بديل ولا متنفس آخر أمامهم برغم المخاوف الجمة جرّاء استخدام تلك الأجهزة دونما رقابة".

إسلام عطالله: "كورونا أفسد كل شيء، لقد دمر كل ما بنيناه في أبنائنا قبل وصوله".

ولا تنفي الأم خوفها من ظهور مقاطع فيديو غير مناسبة أثناء بحث أطفالها عن أفلام الكرتون عبر "يوتيوب"، لكنها تعجز عن إيجاد البدائل، في وضعٍ كوضعها، كربة منزلٍ وأمٍ وصحافية، ما يدفعها لتأنيب نفسها في الوقت ذاته، والتساؤل باستمرار: "هل أنا مُقصّرة؟".

ولا تتوقف إسلام عن حل المشاكل وفكّ العراك المستمر بين أطفالها، قائلةً: "أنا أيضًا لدي عمل والتزامات، وليس أمامي وقت كافٍ لأقضيه معهم، بصراحة، أنا لا أعرف ما الحل!"

وفي محاولات التقنين من استخدام الهواتف المحمولة بالنسبة لأطفالها، اتجهت إسلام للتلفزيون، الذي يحكمه وضع الكهرباء في قطاع غزّة أيضًا، لكنه على الأقل يحكمهم بما يشاهدونه في قنوات الأطفال الآمنة، على عكس ما يتيحه الإنترنت.

تردف: "مع هذا الوضع، صار للصغير خصوصية، وعالم خاص، واهتمامات لا يحب أن نتدخل بها! صرنا نحن الآباء والأمهات في واد، والأولاد والبنات في واد!".

ليلى أبو عيشة: "إن مشاعر القلق في ظل تفشي فايروس كورونا طبيعية، المجتمعات كلها أصيبت بها، وهذا القلق انعكس ولا شك على الأطفال في غزة، الذين يعانون من كبت طاقاتهم لقلة مرافق التنزه والحركة قبل دخول الفايروس أصلًا

المستشارة الأسرية، والأخصائية النفسية ليلى أبو عيشة، قالت لـ "نوى": "إن مشاعر القلق في ظل تفشي فايروس كورونا طبيعية، المجتمعات كلها أصيبت بها، وهذا القلق انعكس ولا شك على الأطفال في غزة، الذين يعانون من كبت طاقاتهم لقلة مرافق التنزه والحركة قبل دخول الفايروس أصلًا، فما بالنا وهم محاصرون في منازلهم منذ أكثر من شهرين؟".

الأطفال أيضًا وقعوا تحت وطأة هذا القلق (تؤكد أبو عيشة)، عندما أصبحوا أكثر عصبية، وأسرع استثارة، يبكون بلا مبررات، ويتحدثون كثيرًا، لم يعد لديهم قابليه للتعلم ظنًا منهم أنهم في إجازة، أصابهم ضعف التركيز، وصاروا أكثر جدالًا، مضيفة: "معظم الأطفال داخل الحجر المنزلي، باتوا يعانون من اضطرابات النوم، بالإضافة إلى أن بعضهم أصيب بحركات عصابية مثل قضم الأظافر وغيرها".

وترى الأخصائية النفسية، أن بعض العائلات "التي بات أربابها يمارسون أعمالهم من داخل المنزل فيها" باتوا أكثر قدرةً على حل المشكلات التربوية والاجتماعية لدى أطفالهم، ذلك بسبب توفر وقتٍ أكبر لمشاركتهم في ممارسة الأنشطة المختلفة، والتعرف إلى شخصياتهم عن قرب، والالتفات إلى الأخطاء التربوية التي وقعوا فيها في التعامل معهم من قبل، على عكس عائلاتٍ أخرى (أمهات غير عاملات)، غالبًا يواجهن مشكلات في بقاء أبنائهن في المنزل لفترات أطول من المعتاد، وما يتبع ذلك من اختلالٍ في برنامجهم اليومي الذي اعتدن عليه قبل "التعليم الإلكتروني"، ما يزيد من إرهاقهن. 

وتوصي أبو عيشة بتنظيم جدولٍ يتناسب مع فترة الحجر، بما يتناسب مع الظروف التي تعيشها الأمهات، والآباء كذلك، ملفتةً إلى أهمية إيجاد أنشطةٍ مشتركة بين الوالدين والأبناء، حتى لو كانت "حديثًا يجمعهم في المساء، يعبر به الأطفال عن ما يجول في خواطرهم، ويشعرون معه بدفء الجو العائلي، يتحدثون عن مواهبهم، ومن يدري؟ قد يكتشف الأهل مواهب مخبأة في أبنائهم خلال مثل هذه الجلسات".

كاريكاتـــــير