شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 17 مايو 2026م18:22 بتوقيت القدس

متاحف قطاع غزة... تاريخ سحقته جنازير الدبابات

17 مايو 2026 - 16:46
خلّة تتفقد متحف قصر الباشا المدمر
خلّة تتفقد متحف قصر الباشا المدمر

غزة- سماهر فرحان :

تحدّق الباحثة ناريمان خلّة بعينيها بما تبقّى من متحف قصر الباشا الذي دمّرته قوات الاحتلال الإسرائيلي أثناء اجتايحها لمدينة غزة، ثم تقول بصوتٍ متهدّج : "دمروا المتحف واختفت مقتنياته، ولا نعلم مصيرها".

في ممراتٍ كانت تعجً يومًا بالزوار والوفود والباحثين عن تاريخ فلسطين، لم يتبقّ اليوم سوى الركام والحجارة المتناثرة وآثار الجرافات العسكرية الإسرائيلية التي داست أروقته، تاركةً خلفها فراغًا ثقيلًا في ذاكرة المكان، بعدما طالت الحرب الإسرائيلية المتاحف والمواقع الأثرية في قطاع غزة، وحوّلت أجزاء واسعة من الإرث التاريخي الفلسطيني إلى أنقاض.

وبينما يحيي العالم في 18 مايو اليوم العالمي للمتاحف، تبدو متاحق قطاع غزة شاهدًا إضافيًا على حربٍ لم تستهدف البشر وحدهم، بل امتدّت إلى التاريخ والهوية والرواية الفلسطينية المتجذّرة إلى آلاف السنين.

وحسب تقارير وإحصاءات نشرتها وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، تعرّض أكثر من 208 موقع أثري داخل قطاع  غزة للتدمير خلال العام الأول للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تبعها عمليات تخريب ونهب طالت عددًامن المتاحف والمقتنيات الأثرية إلى جانب تدمير مكتبات تاريخية ومخطوطات نادرة.

تقول خلّة وهي مديرة متحف قصر الباشا بمدينة غزة :"دمّر الاحتلال متحف قصر الباشا خلال الحرب الأخيرة في ديسمبر 2023م، ثم قصف الجبهة الشرقية من المتحف بالكامل في يناير 2024م، ولم يتبقَّ من المتحف سوى أجزاء بسيطة فقط".

يعدّ متحف قصر الباشا أحد أبرز المعالم الأثرية في قطاع غزة، ويعود تاريخ إنشائه إلى أواخر العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، ويبلغ عمره قرابة 900 عام، تعاقبت عليه استخدامات مختلفة ما بين مقر إداري ومخفر شرطة ومدرسة، قبل أن يتحول بعد ترميمه إلى متحف وطني مركزي في غزة عام 2010م.

وتوضح خلة أن المتحف كان يضم قطعًا أثرية من عصور متعددة، بينها آثار يونانية ورومانية وبيزنطية وإسلامية، شملت عملات نقدية، وفخاريات وحليًا نسائية، وقوارير زجاجية، إضافة إلى مخطوط قرآني عثماني نادر ودروع ومقتنيات تاريخية مختلفة.

لكن تلك المقتنيات اختفت بالكامل بعد اقتحام الاحتلال للمتحف وقصفه وتجريفه، وفق خلة، التي تؤكد أن مصيرها لا يزال مجهولاً حتى اللحظة، "فلا نعرف إن كانت قد دُمرت بالكامل تحت القصف، أم تعرضت للنهب والنقل إلى داخل إسرائيل".

لم تكن الخسارة مقتصرة على متحف قصر الباشا، إذ طالت الحرب أيضًا متاحف خاصة ومجموعات أثرية فردية كرّس أصحابها أعمارهم لحمايتها والحفاظ عليها.

يقول الباحث في علم الآثار والتاريخ الفلسطيني، وليد العقاد، بينما يحتفظ في جيبه بصورة قديمة لتكريمه من جامعة الدول العربية على جهوده في حماية الآثار الفلسطينية: "إن سرقة التاريخ لا تقل عن سرقة الأرض والوطن، فالاحتلال كان يتعمد دائمًا محاولة قتل وتدمير وتزييف تاريخ الشعب الفلسطيني، بهدف طمس واقتلاع جذورنا التاريخية من هذه الأرض".

ويضيف: "كل أثر موجود على هذه الأرض يعتبر شهادة تاريخية على مالكها الأصلي، ولذلك فإن حماية هذه الآثار مسؤولية أخلاقية ووطنية تجاه كل فلسطيني".

وكان متحف العقاد، الذي أسسه الباحث الفلسطيني عام 1975 خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، يضم نحو 2850 قطعة أثرية ووثائق تراثية تعود إلى حضارات وعصور مختلفة شهدتها فلسطين، من العصر الكنعاني مروراً بالعصور اليونانية والرومانية والبيزنطية وصولاً إلى العصور الإسلامية.

ويستذكر العقاد سنوات طويلة أمضاها في ترتيب مقتنيات المتحف واستقبال الوفود والزوار والرحلات المدرسية داخله، قبل أن يتحول المكان خلال الحرب إلى هدف للقصف والتدمير.

"عندما اضطررت للنزوح إلى المواصي هربًا من القصف، كنت أتمنى أن أحمل هذا المتحف على ظهري وأركض به كما هو لأجل تأمينه والحفاظ على مقتنياته"، يقول العقاد، قبل أن يتوقف قليلًا متحسرًا: "لكن خطورة الوضع كانت أقوى من إمكانياتي وأمنياتي".

وبعد عودته لتفقد المتحف عقب وقف إطلاق النار المؤقت، وجد المكان مدمرًا بشكل شبه كامل، بينما تعرضت غالبية مقتنياته للدمار أو النهب، وفق قوله.

ولا تتوقف آثار الاستهداف عند حدود المباني والمتاحف، بل تمتد إلى المكتبات والمخطوطات التاريخية التي شكلت جزءاً من الذاكرة الثقافية الفلسطينية، وفي مقدمتها مكتبة المسجد العمري الأثري، التي ضمت آلاف الكتب والمخطوطات النادرة، وبعضها يعود عمره إلى مئات وربما آلاف السنوات.

ومع استمرار الحرب واتساع حجم الدمار، يخشى مختصون وباحثون من ضياع أجزاء واسعة من الإرث الحضاري الفلسطيني في قطاع غزة، ليس فقط بفعل القصف المباشر، وإنما أيضاً نتيجة أعمال النهب والتجريف وانعدام الإمكانيات اللازمة لحماية وترميم المواقع المتضررة.

ورغم ذلك، تقول ناريمان خلة إن وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، وبالتعاون مع جهات مختصة بحفظ التراث، بدأت محاولات لترميم ما تبقى من متحف قصر الباشا والحفاظ على حجارته التاريخية، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

أما العقاد، الذي قضى عقودًا يجمع آثار فلسطين قطعةً قطعة، فلا يزال يتمسك بالأمل ذاته، قائلًا: "عزيمة الإنسان وقوة انتمائه لهذه الأرض تجعلنا نحاول إحياء ما دُمّر، وإنقاذ ما تبقى، لأن هذه الآثار ليست حجارة صامتة، بل ذاكرة شعب كامل".

آثار الدمار الذي لحق بمتحف قصر الباشا

متحف العقاد المدمر 

المسجد العمري الكبير 

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير