غزة:
حتى كشَفَت التفاصيل أن "هبة أبو نادي" لم تكن الحالة رقم (واحد) بفايروس "كورونا" من داخل قطاع غزة، عاشت السيدة العشرينية التي كانت ترافق طفلتها المريضة إلى مستشفى "المقاصد" في القدس، أيامًا صعبةً بسبب "التنمر" الذي طالها وعائلتها، حين عدّها مواطنون "سبب تفشّي الفايروس" داخل القطاع بعد أشهرٍ من الإجراءات الصارمة على المعابر لمنع دخوله مع العائدين إلى القطاع.
بعد الإعلان عن اسم هبة، بدأت تتوالى أسماء أصحاب إصاباتٍ أخرى، لاقوا وعائلاتهم نفس ردود الأفعال المؤذية، ومنهم كان صلاح النجار، ابن منطقة "الفالوجة" بجباليا شمال قطاع غزة، الذي كشفت الفحوصات إصابة والدته -وهي ربة بيت- بـ"كورونا"، وتم أخذها إلى مستشفى العزل الصحي في مدينة خانيونس جنوب القطاع، بينما تم حجر كل أفراد الأسرة داخل البيت، وتخصيص شرطي لحراسة الباب.
النجار: الكل يدرك طبيعة مجتمعنا، وكيف ينظرون إلى المصاب، خاصةً وقد تم أخذ أمي من البيت بواسطة سيارة إسعاف، تتبعها سيارة شرطة
كان الشاب يبحث عن فرصةٍ للحديث عن الأمر، لكثرة ما قابله من "تنمّر" على عائلته، وعلى المصابين عمومًا، فلما هاتفته "نوى"، بثّ شكواه فقال: "الكل يدرك طبيعة مجتمعنا، وكيف ينظرون إلى المصاب، خاصةً وقد تم أخذ أمي من البيت بواسطة سيارة إسعاف، تتبعها سيارة شرطة".
ويروي أنه شخصيًا تعرّض لمواقف جعلته يشعر بالضيق، فبعد 10 أيام من المكوث في المنزل، خرج إلى شرفة البيت (البلكونة)، من أجل الترويح عن نفسه، وإذا بأحد المارّة ينادي على الشرطي ينبّهه بأن صلاح يقف هناك "وكأنه يرتكب جرمًا" رغم أن الخروج إلى الشرفة لا يشكل خطرًا على أحد.
في ذات الوقت يردف: "أنا مع نشر الأسماء، فهذا وباء وليس مرضًا عاديًا، ومن الضروري أن يعرف بالأمر كل المخالطين ولا أرى في ذلك عيبًا، حتى لو لم تكن أمي مصابة، سأفضّل معرفة المصابين من منطلق حقي في معرفة إن كنت من المخالطين لهم أم لا، وفي النهاية كل شيء يتوقف على وعي الناس ودرجة دعمهم لبعضهم البعض".
النجار: أنا مع نشر الأسماء، فهذا وباء وليس مرضًا عادي، ومن الضروري أن يعرف بالأمر كل المخالطين ولا أرى في ذلك عيبًا
وبهدوء يضيف الشاب: "أمي نشرت على صفحتها في فيس بوك أنها مصابة، وطلبت من كل من خالطها إجراء الفحوصات اللازمة"، موضحًا أنها كانت تشعر بالأعراض منذ ما قبل اكتشاف الإصابة الأولى، لكنها استبعدت إصابتها لأنها كانت مطمئنة لتصريحات الصحة حول عدم وجود إصابات داخل القطاع، "وقد تبين لاحقًا أن جدتي لأمي مصابة، وهي من سكان منطقة النفق في غزة، وكذلك ابنة عمتي وعمي أيضًا".
تختلف معه نسبيًا في الرأي الشابة سحر لبد، وهي قريبة لأول متوفى بسبب فايروس "كورونا" في قطاع غزة واسمه رباح لبد، حيث تسبب نشر الاسم في تعريض أفراد العائلة للكثير من المواقف المحرجة.
تقول لبد التي تعمل صحافية: "المتوفى هو أحد أبناء عم والدي، وبمجرد نشر الاسم شعرت بالخوف الشديد، ورغبةٍ عارمة بالبكاء، أول ما فكرت فيه هو الاطمئنان على صحة المحيطين به، وتلقيت العديد من الاتصالات للاطمئنان عليّ وعلى عائلتي".
لبد: روت إحدى قريباتي أنها دخلت السوبرماركت لشراء بعض الاحتياجات، وسمعت البائع يقول لمشترٍ بصوت منخفض: خلي بالك، هاي من دار لبد فيهم كورونا
لاحقًا لم تكن الأمور جيدة بالنسبة لسحر وعائلتها، فاكتشاف إصابات أخرى من بين أفراد العائلة جعل البعض يلمزون بالقول: "عائلة لبد الذين أصيبوا بالكورونا"، "عائلة لبد رح يجيبوا الكورونا للمنطقة"، وغير ذلك من مفردات تلتقطها آذانهم، فتؤذي مشاعرهم.
وتضيف: "في مجموعةٍ خاصة بالعائلة، روت إحدى قريباتي أنها دخلت السوبرماركت لشراء بعض الاحتياجات، وسمعت البائع يقول لمشترٍ بصوت منخفض: خلي بالك، هاي من دار لبد فيهم كورونا، وهو ما جعلها تشعر بالكثير من الضيق والحزن".
لكن تؤمن سحر في ذات الوقت بأن المرض ليس عيبًا، وأن نشر الأسماء ليس خطأً بحد ذاته، إنما طريقة تعامل المجتمع مع المصابين وعائلاتهم، هي من تجعل النشر يتسبب بمشكلة، مؤكدةً أهمية أن يكون تعامل وزارة الصحة أفضل في موضوع نشر الأسماء "فلا تنشرها على العلن" بل تعممها على الدائرة المحيطة بالمصاب فقط، بغرض حمايتهم، والاطمئنان على سلامتهم.
شمعون: الفكرة ليست في تغليب أيهما على الآخر، إنما المسألة بحاجة لتقدير موقف، وتشخيص الواقع الثقافي الذي نعيشه
أيهما أفضل إذن؟ تغليب المصلحة العامة بنشر الأسماء أم الحفاظ على الخصوصية بعدم نشرها؟ تجيب الباحثة والإعلامية هداية شمعون "نوى" بالقول: "الفكرة ليست في تغليب أيهما على الآخر، إنما المسألة بحاجة لتقدير موقف، وتشخيص الواقع الثقافي الذي نعيشه".
"من جهة هذا وباء يتوجب علينا حماية أنفسنا منه بمعرفة المصابين به وخارطة المخالطين لهم، لأنهم الممر الوحيد لانتقال الفيروس إلى أماكن أخرى، ومن جهة ثانية، لدينا حق الفرد في حماية خصوصيته، وألا يعمم اسمه" تضيف شمعون، في إشارةٍ إلى "التنمر" كثقافة مجتمع –إلا لدى من رحم الله- "حيث عانى المصابون وعائلاتهم شيئًا من المقاطعة، وتعرضوا لألفاظ سيئة وكأن المرض عيب" تزيد.
شمعون: الأصل مساندة المرضى وعائلاتهم، وحماية المخالطين لمنع انتشار الوباء، وهذا يتطلب الإفصاح عن المعلومات، بشرط الحفاظ على بعض الخصوصية
وتؤكد أن الأصل مساندة المرضى وعائلاتهم، وحماية المخالطين لمنع انتشار الوباء، وهذا يتطلب الإفصاح عن المعلومات، بشرط الحفاظ على بعض الخصوصية، مضيفةً: "أنا كصحفية من رفح على سبيل المثال، ماذا يضيف لي معرفة أسماء المصابين مثلًا؟ حتى أننا لن نحتاجها خلال كتابة أخبارنا، ما نحتاجه هو العدد، الأعمار، النوع الاجتماعي، الحالة الصحية، لكن الأسماء لن تضيف شيئًا في هذه الحالة".
السؤال المطروح إذن: ما هي الحدود المطلوبة للإفصاح عن المعلومات؟ تجيب شمعون: "إن المعلومات يتم الإفصاح عنها لغايات تحديد الخارطة الوبائية وحماية الناس من انتشار الفيروس، ولكن السياق الذي نراه من تداولٍ للأسماء عبر مواقع التواصل الاجتماعي فيه انتهاك واضحٌ للخصوصية".
























