غزة:
على بعد أمتار من سور منتزه الشاطئ المغلق بالشادر الأخضر، والمجرّف من الداخل، يتخذ الطفلان أمين وأمجد سالم من سكان مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين غرب مدينة غزة، زاويةً ضيقةً في الشارع المجاور لسوق المخيم من أجل لعب "البنانير" والاستغماية.
المنتزه المقابل لبيتهم، الذي كان حتى قبل سنواتٍ قليلة، يحتوي على أشجار زينةٍ وأراجيح أطفال، بات الآن ركامًا بعد أن داسته عجلات الجرافات التي تسعى لتحويله إلى مشروعٍ استثماري، وسط رفضٍ كبيرٍ من السكان الذين كانوا يعدّونه المتنفس الوحيد لهم وسط ظروف الحياة الصعبة داخل المخيم.
وكأن هذا ما كان ينقص السكان هناك، المزيد من الضغط على المخيم المخنوق بأهله، وبالفقر، والبطالة، والمباني المتهالكة، وضيق البيوت والأزقة التي لا يتجاوز عرضها مترًا، ناهيك عن رداءة خدمات الصرف الصحي. كان ينقصهم أن تأتي جهة فتحرمهم من بقعة الجمال الوحيدة الصغيرة التي تخدمهم في قيظ الصيف.
يبلغ عدد سكان مخيم الشاطئ نحو 80 ألف نسمة، يقيمون جميعًا في مساحةٍ جغرافية لا تزيد عن 813 دونمًا وفقًا لتوثيق الموقع الرسمي لبلدية غزة، يعيشون منذ عام النكبة 1948م في بيوتٍ ضيقة لا تكاد تتسع لسكانها.
ببراءة الأطفال يقول أمين ابن السنوات الخمس: "بلعب بالشارع عشان فش مكان تاني"، ثم يشير إلى الشادر الأخضر الذي يغلق ما كان متنزهًا لهم، ويزيد: "هدا كان المنتزه، بس أنا ولا مرة لعبت فيه".
منذ إنشاء المخيم عام 1948م، كانت البيوت تكتظ بالمواطنين، لكن أرئيل شارون خرج في سبعينيات القرن الماضي، بما عُرف باسم "توسعة المخيمات"، فتم هدم جزء من المنازل بغرض فتح شوارع، وإزالة نحو 20 بيتًا كانت في هذا المكان، وظلّت أرضًا فارغةً يستخدمها الناس في التنزه، وفي مناسباتهم الاجتماعية، ولتكريم أسر الشهداء في الانتفاضة الأولى.
مع عودة السلطة الفلسطينية، تم إنشاء مركز شرطة عام 1996م، رغم رفض أهالي المخيم، خاصةً في ظل وجود أراضٍ حكومية على أطراف المخيم كان يمكن استثمارها لبناء المركز الذي قصفته لاحقًا قوات الاحتلال الإسرائيلي، في الحرب على غزة عام 2009م، وتم نقله بالفعل إلى أطراف المخيم.
كانت بلدية غزة خلال هذه السنوات تشرف على المنتزه الذي عيّنت له حارسًا و"جنايني" (مزارع)، وكان يضم ألعابًا للأطفال، وأشجارًا، وكافتيريا، ومرافق تخدم سكان المخيم.
في عام 2015م، تحوّلَ جزء من المنتزه إلى ملعبٍ استثماري مُعشَّب يتم تأجيره بالساعة للراغبين في اللعب، بعد أن كان متنزها مجانيًا للناس، والآن يأتي دور لجنة زكاة الشاطئ لتحوّله إلى مشروع استثماري عبر افتتاح متاجر فيه وتضييع آخر أمل للناس في وجود متنزه لهم.
على باب منزل عائلة سالم، يقف مجموعة من رجال المخيم يتجاذبون أطراف الحديث حول ما يجري في المنتزه، وخلف الشادر الأخضر المقابل لهم تمامًا الجرافات كانت لا تزال تعمل.
جارهم الطبيب عبد الحافظ شحادة كان يمر بجوارهم فوقف يقول: "مخيم الشاطئ من أكثر مخيمات قطاع غزة اكتظاظًا بالسكان، لا يوجد به إلا متنزهين أحدهما على أطراف المخيم، وهو يخدم حي النصر أكثر، بينما هذا المتنزّه هو الوحيد لسكان المخيم".
يضيف: "من حق أطفالنا في ظل الحر الشديد وضيق البيوت، أن يكون لديهم متنزه، ومساحات آمنة للعب، ليشعر الطفل بالانطلاق والحرية، بدلًا من اللعب على أبواب البيوت، وتعريض حياتهم للخطر".
وتساءل باستنكار: "منذ متى تحوّل المخيم إلى سلة اقتصادية للمشاريع الاستثمارية؟!"، مجيبًا نفسه بنفسه: "نحن نحتاج إلى قيادة جماعية، لا إلى قيادة تنظيمٍ واحد".
بدوره، يعبّر عبد الرحمن غانم ممثل الجبهة الديمقراطية في مخيم الشاطئ، عن استنكار غالبية الفصائل الفلسطينية تحويل مكان المنتزه والملعب المعشب إلى مشروعٍ استثماري وفقًا لما يتم تناقله وطرحه.
ويضيف: "قبل عدة أيام فوجئنا بنية استخدام أرض المتنزه كمشروعٍ استثماريٍ لصالح جهة معينة، وإقامة محلات تجارية مكان الملعب المعشب، ورأينا الجرافات تعمل في المكان تمهيدًا لتنفيذ المشروع، رغم أن المتنزه هو المتنفس الوحيد لسكان المخيم".
وتابع: "باشرت الجرافات بهدم سور المتنزه، وتم التواصل مع الفصائل الفلسطينية التي رفضت بالإجماع هذه الخطوة باستثناء ممثل حماس الذي تغيّب، وقال إنه لا داعي لعقد اجتماع"، مبينًا أنه تم توجيه رسائل لعدة جهات ومن ضمنها اللجنة القطرية، وهي الممول الرئيس للمشروع الذي أوقف الدعم حاليًا لحين انتهاء المشكلة، وبلدية غزة التي رفضت الخطوة، ووزارة الأوقاف التي قالت إنه لا علاقة لها بالمشروع.
وحسب غانم، فإن من المقرر إقامة محلات تجارية على مساحة 900 متر، "وهذا غير مناسب بالنسبة لمساحة المتنزه التي تبلغ 2900 مترًا، فالمساحة بالكاد تكفي لتستوعب أهالي المخيم"، وبناءً عليه، وبعد اجتماعٍ لقيادات الفصائل في المخيم -والحديث له- فإنهم توصلوا إلى مقترحٍ يجري التشاور بخصوصه وهو "أن تبقى الأرض كاملة للمتنزه، وأن يتم نقل مشروع السوق إلى مكانٍ آخر هو سوق السمك".
نصر أحمد رئيس اللجنة الشعبية للاجئين، رفض من ناحيته، في اتصال هاتفي مع "نوى" هذه الخطوة، فهذا المكان هو الوحيد الذي يخدم المخيم، والكل يعرف ضيق البيوت وما تعانيه المخيمات من اكتظاظ.
وأضاف أحمد تعقيبًا على ما يجري في المنتزه: "بمجرد أن شاهدنا الجرافات تعمل بعثنا برسائل لبلدية غزة ولوكالة الغوث التي لها الولاية القانونية على المخيم، وكذلك اجتمعت القوة الوطنية والإسلامية لدراسة الموضوع، وتم توجيه رسالة للممول الرئيس الذي تعتمد عليه لجنة الزكاة في مشروعها وتم الإيقاف حاليًا، مؤكدًا أنهم في حالة اجتماعات مستمرة حتى هذه اللحظة.
رئيس لجنة زكاة الشاطئ الجنوبي نور عقيلان، بدا في اتصال هاتفي مع "نوى" شديد الإصرار على مواصلة العمل في المشروع، موضحًا موقفه بالقول :"هذه ليست أرض المنتزه، بل المشروع سيقام مكان مركز الشرطة بجوار المنتزه، الذي تم تحويله إلى ملعبٍ معشّب".
وأضاف عقيلان: "لجنة الزكاة استأذنت من حماس لاستخدام أرض الملعب المعشب التابع لحماس وتم التنازل عنه فعليًا لصالح اللجنة، ولم يتم التعدّي على أرض المنتزه"، موضحًا أن المشروع يشمل إنشاء محلات تجارية يذهب ريعها للفقراء والأيتام من أبناء المخيم، بل إن التحسين سيطال المنتزه نفسه "الذي تحول إلى خرابة منذ 13 عامًا بعد أن أهملته البلدية على وقع أحداث الانقسام، ولجنة الزكاة ستطوره وتسلمه للبلدية من جديد".
وعزا حالة الرفض الفصائلي للمشروع، إلى اعتقادهم بأنه يطال أرض المنتزه، متهمًا بلدية غزة بأنها هي من تهمل المنتزه والمخيم، بل إن البلدية وفقًا لقوله حاولت إنشاء غرف للجباية في المكان وتم منعهم من ذلك.


































