شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 يوليو 2026م14:36 بتوقيت القدس

تأخّرَ تعويض "الوكالة" فبنوها بالدَين..

ركامٌ بعُمر الحرب و"سجنٌ" لمن عَمّرَ بيته!

04 اعسطس 2020 - 22:30

خانيونس:

ست سنوات مرت على الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014م، وما زالت بيوت مئات الفلسطينيين التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية غير صالحة للسكن.

عددٌ كبيرٌ من أصحاب تلك البيوت -الذين لم يتلقوا التعويضات بعد- بات مهددًا بالحبس، فالآلاف منهم لجأوا إلى إعمارها بالديون، على أمل التسديد عند تلقّي التعويضات التي وعدت بها جهاتٌ مانحة. ومرّت الأيام، فلا التعويض وصل، ولا الديون سُددت، ما جعلهم بسبب "الكمبيالات" ملاحقون بأوامر الحبس.

في بلدة خزاعة أقصى شرق محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة، يعيش المواطن منذر قديح في بيته المكون من غرفتين، أعاد إعماره بالدين، بالاتفاق مع المقاول الذي وافق على البناء قبل ست سنوات مقابل التسديد عند تلقّي المبلغ، لكنه الآن ملاحق ببلاغات الحبس.

قديح وبسبب تأخّر تسجيل الأضرار لديه، تم تسجيلها بأقل من قيمتها الحقيقية، الأمر الذي جعل قيمة المبلغ المدفوع، أكبر بكثيرٍ من تقدير وكالة الغوث

يقول قديح الأب لثلاثة أطفال: "تم تقدير الهدم في بيتي كضرر جزئي بمبلغ 4440 دولارًا، وعلى أمل استلام المبلغ اتفقت مع مقاولٍ على البناء، ولم أستلم أي مبلغ حتى الآن، لدي أوامر حبس بسبب هذه الديون، سددت خلال السنوات الماضية جزءًا يسيرًا، لكن تبقى علي دفع 3000 دولار".

بالنسبة لمواطن متعطّلٍ عن العمل يبحث عن الفرص الضئيلة من أجل سداد قوت عياله، فالمبلغ يعدُّ كبيرًا جدًا، المشكلة الثانية هي أن قديح وبسبب تأخّر تسجيل الأضرار لديه، تم تسجيلها بأقل من قيمتها الحقيقية، الأمر الذي جعل قيمة المبلغ المدفوع، أكبر بكثيرٍ من تقدير وكالة الغوث، الجهة المخوّلة بتقدير الأضرار وتعويض المواطنين.

وعندما شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي عدوانها على قطاع غزة عام 2014م، قتلت 2174 مواطنًا ومواطنة على مدار 51 يومًا، ودمرت أكثر من 89 ألف وحدةٍ سكنية، وهجّرت مئات آلاف العائلات من مناطق سكناها.

وفي أكتوبر من العام ذاته، أي بعد نحو شهرين من انتهاء العدوان، عُقِد مؤتمر للمانحين في القاهرة بحضور 50 منظمة دولية، سُمي حينها "مؤتمر إعادة إعمار غزة"، وقدّر الحاجة إلى 212 مليار دولار من أجل إعادة الإعمار.. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن، وبعد ست سنوات من ذلك التاريخ: أين المال؟ وأين الإعمار؟

عودة إلى منذر المثقل بالديون، الملاحق بأوامر الحبس، فعمله اليومي بالكاد يسد رمق العائلة، وقبل أيامٍ فقط نجا من حبس محقق بسبب ديون قدرها 5000 شيكلًا (1500 دولارًا) مستحقة لعامل السباكة الذي أصلح منزله، الذي يرى أنه "صبر عليه بما فيه الكفاية" على حد تعبيره.

منذر نفسه يقول: "عشت عمري بعيدًا عن الديون ولو بإنفاق القليل، حتى اضطررت لذلك بسبب العدوان، والآن الوكالة (أنروا) لا تعوّض أحدًا، وأنا غير قادر على الدفع، فمن يتحمل المسؤولية؟".

لسوء حظه فإن اسمه لم يظهر حتى في المساعدات الطارئة التي تصل إلى قطاع غزة، وهو ما جعله يقع تحت ضغط نفسي، يعترف بأنه تسبب في الكثير من المشاكل الأسرية له.

وتتابع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في قطاع غزة عملية إعادة الإعمار للفلسطينيين المسجلين لديها كلاجئين، (أي الذين هجّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي عائلاتهم من بلداتهم الأصلية عام 1948م)، إلا أن هؤلاء الفلسطينيين يتهمون وكالة الغوث بالتقصير في ملف إعادة الإعمار.

ناجي: تأخّر الدفعات جعلتني ملاحقًا بأوامر الحبس، خطأ الوكالة نتحمله نحن الذين ننفق على عائلاتنا بصعوبة

الوضع لا يختلف بالنسبة للسيد ناجي قديح، الذي دمّر الاحتلال منزله بشكل شبه كامل، وتم تقدير الأضرار فيه بمبلغ 12 ألف دولار لم يتلق منها شيئًا، وهو ملاحق بديون قدرها الآن 7000 دولار، ومهدد بأوامر الحبس لدى المقاولين الذين تولوا البناء له.

يقول ناجي: "اضطررتُ بعد انتهاء العدوان إلى طلب إعادة الإعمار من مقاول، مقابل اتفاق على التسديد عند استلام المبلغ، لم أصلح كل شيء، فقط ما يمكّنني من ستر المنزل لنعيش فيه، إلا أن تأخّر الدفعات جعلتني ملاحقًا بأوامر الحبس، خطأ الوكالة نتحمله نحن الذين ننفق على عائلاتنا بصعوبة".

حتى الآن ما زال جزءًا كبيرًا من منزل ناجي مهدّم، وآثار الاحتراق موجودة لم يتم إصلاحها.

يوضح أن المنزل لم يكن يصلح للسكن أصلًا بعد تضرره أثناء العدوان، وكان يفترض أن يحصل على عقد إيجارٍ من الوكالة، إلا أن وجوده الآن في المنزل ناتج عن سوء تقدير المهندسين حينها.

تصاعد قضية المواطنين الذين باتوا ملاحقين بأوامر الحبس، دفعتهم إلى تشكيل لجنة مطلبية للضغط على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من أجل تحريك ملف إعادة الإعمار المعطّل دون أن يعرفوا السبب.

يقول المواطن صلاح النجار منسق لجنة متضرري حرب 2014م، وأحد أصحاب البيوت المدمرة: "إن اللجنة هدفها مطالبة الوكالة بسرعة صرف التعويضات، فلا يجوز لها بعد 6 سنوات مواصلة التذرّع بالأزمة المالية، إن آثار الحرب ما زالت مستمرة، يدفع ثمنها من تعرضوا للضرر الجزئي والجزئي البليغ".

النجار: معاناة الناس مستمرة، ليس فقط بسبب عدم إعمار البيوت، بل باتوا ملاحقين بكمبيالات وأوامر حبس

ويضيف: "معاناة الناس مستمرة، ليس فقط بسبب عدم إعمار البيوت، بل باتوا ملاحقين بكمبيالات وأوامر حبس، بينما لا تكف الوكالة عن المماطلة والتسويف"، يصمت قليلًا ثم يتابع: "نحن لسنا على سلم أولوياتها، هذه هي الحقيقة".

يحاول المواطنون معرفة سبب هذه التأخير من طرف "أنروا"، فهناك نحو 5000 بيت على مستوى قطاع غزة لم يتم إعادة إعمارهم بعد، ناهيك عن أولئك الذين دفعوا مبالغ مالية ليصلحوا بيوتهم على نفقتهم الشخصية (التي تعد ديونًا في أصولها) على حد تأكيد النجار.

ويكمل: "تركت الوكالة للناس أن يتفقوا مع المقاولين بموجب الوعد، ولكن كانت سياسة خاطئة من طرفهم، أيضًا هناك من يسكنون بالإيجار ممن هدمت بيوتهم، يدفعونه من مالهم الخاص، صحيح أن حقوقهم محفوظة ولكن هناك من ليس لديهم القدرة على الدفع حاليًا أيضًا"، مطالبًا الوكالة بسرعة حل هذا الملف، موضحًا أن المرحلة المقبلة ستشهد فعاليات ميدانية احتجاجية لدفع الوكالة إلى التحرك الجدّي من أجل إنصافهم.

عدنان أبو حسنة المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" تحدّثَ عن وجود تأخّرٍ بالفعل في عملية إعادة الإعمار، عازيًا ذلك إلى الظروف الإقليمية والدولية.

وقال لـ"نوى": "إن نحو 850 ألف منزل متضرر بشكل جزئي، و300 منزل بحاجة إلى إعمارٍ كامل، وإغلاق ملف إعادة الإعمار كاملًا يتطلب 95 مليون دولار، لتغطية تكاليف الإعمار الكلي والجزئي والمتوسط، وهو ما سعت إليه أنروا".

أبو حسنة:قدمنا مشروعًا متكاملًا لإنهاء هذا الملف في العام 2020م، وما زلنا نتواصل مع المانحين ونأمل الاستجابة

تأخّر الإعمار -يستدرك أبو حسنة- كان لعدة أسباب أبرزها تعدد الملفات في المنطقة، مثل سوريا والعراق واليمن وغيرها، يضاف إليها الآن أزمة كورونا التي جعلت الدول تتجه لأوضاعها الداخلية.

ويضيف:"قدمنا مشروعًا متكاملًا لإنهاء هذا الملف في العام 2020م، وما زلنا نتواصل مع المانحين ونأمل الاستجابة".

ونفى في الوقت ذاته إمكانية وجود فرصة لأي تحديث، بالنسبة لمن كان هناك خطأ في تقدير الأضرار لديهم، "فهذا الملف أُغلق بالكامل، خاصة وأن برنامج الطوارئ كانت الولايات المتحدة مموله الرئيسي، بقيمة 70 مليون دولار سنويًا، قبل أن تتوقف عن دعمه".

كاريكاتـــــير