شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 يوليو 2026م21:39 بتوقيت القدس

هكذا يشارك المحجورون بغزة عائلاتهم موائد رمضان

29 ابريل 2020 - 16:21

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة:

عرضت الصحفية سحر نصار، التي خضعت للحجر بعد عودتها من مصر، تسجيلًا لأحد رجال الأمن في مركز الحجر الاحترازي برفح جنوب قطاع غزة، وهو يقوم بدور "المسحراتي". "لقد حاول الرجل أن يخفف من حالة الكآبة التي طالت معظم المحجورين في اليوم الأول، بعد أن غابت عنهم أجواء رمضان الطبيعية في حضن العائلة" تقول.

تحاول نصار كما غيرها من العائدين الذين أجبرهم "كورونا" وتفاصيل إعلان حالة الطوارئ مطلع آذار/مارس الماضي، تعويض الغياب عن الأهل والأحبة، بخلق أجواء البهجة داخل غرف الحجر، ومحاولة الخروج عن نمطية فكرة البقاء في غرفة العزل بتناول وجبة الإفطار والسحور مع عائلاتهم عبر اتصالات الفيديو! "بعضهم ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما عاش مع أفراد عائلته مراحل تعليق زينة الشهر الفضيل، وحبال الإضاءة، وحتى تحضير أصناف الطعام المختلفة" تضيف.

كانت نصار، وما أن يهل هلال رمضان في كل عام، تصطحب وحيدتها فرح إلى السوق، لشراء متطلباته من أطعمة ومشروبات، لكن هذا العام لم تتمكن حتى من الوصول إلى منزلها في الوقت المناسب، بعد أن تم حجرها احترازيًا مع دفعة ما قبل الشهر الكريم بأسبوع.

تشاركت سحر وصديقتها ناهد في اليوم الأول طعام الإفطار على نفس الطاولة، التي اقتصرت على وجبة الطعام الرئيسية، لا شوربة ولا سلطة ولا سمبوسك ولا مقبلات! كانت "الغصة الأكبر في صوت فرح" الذي كان يصلها متقطعًا عبر مكالمة الفيديو، وهي تشارك أمها لحظات ما قبل الإفطار بقليل.

تضيف في حديثها لـ "نوى": "أكثر ما أعاني منه –كمعظم المتواجدين هنا- هو ضعف شبكة الإنترنت (..) نضطر للخروج من الغرف للبحث عن الشبكة التي بالكاد تمكننا من التواصل المتقطع".

تحاول سحر وغيرها من المحجورات، خلق أجواء رمضانية حقيقية، من خلال توفير بعض الخضروات اللازمة لإعداد السلطة، والشوربة التي يرسل مكوناتها بعض ذوي المحجورين القريبين من المكان. "في كل قسم يوجد 20 شخصًا، نقوم بوضع الأسرة أمام الغرف ونضع الكراسي بمسافة لا تقل عن متر، ونجلس على سفرة واحدة  في محاولة لكسر حالة الإحباط والحزن لابتعادنا عن ذوينا" تردف.

إلى فندق "بلوبيتش" على شاطئ بحر غزة، حيث سارعت الشابة نوال عطالله مع انتهاء صلاة المغرب عشية اليوم الأول من رمضان، إلى تزيين غرفتها، حيث تقضي فترة الحجر الصحي عقب عودتها من مصر، قبل رمضان بأسبوعٍ واحد.

وكانت الحكومة الفلسطينية بغزة، قررت منتصف آذار/ مارس الماضي، إغلاق المعابر واستقبال العائدين على دفعات، بشرط أن يقضوا فترة الحجر الصحي الإلزامي، الذي يمتد إلى 21 يومًا في مراكز حجرٍ حكومية.

بالعودة إلى نوال التي تعمل مديرةً لمؤسسةٍ تعليميةٍ في قطاع غزة، فقد قررت صنع أجواءٍ من البهجة بالإمكانيات المتوفرة. أحضرت الفانوس، وعلّقت الزينة، ورفعت صوت مقطع فيديو عبر موقع "يوتيوب" كان يصدح بأغنية "حالو يا حالو"، في الحقيقة، لقد تمكنت من نشر البهجة في كل المكان.

قبل "كورونا" اعتادت نوال تحضير احيتاجات الشهر الفضيل لوالدَيها المسنَين، وتزيين بيتهم –وهو من بيوت غزة القديمة بطرازها المميز- كانت تجلب الفوانيس وأحبال الزينة المضيئة، وتصنع أجواء البيت الاحتفالية، لكن هذا العام كان الأمر مختلفًا.

تقضي نوال رمضان بعيدةً عنهما، تتواصل معهما هاتفيًا كل يوم عبر اتصالات الفيديو، "لكن هذا ليس كافيًا، لقد اعتاد أبي أن أوقظه لتناول طعام السحور، وكنتُ أنا من يعد له ولأمي الإفطار (..) رغم محاولات إخوتي تعويض غيابي، إلا أنني أشعر بقلقهما علي في كل مرة أتصل فيها بهما".

تصلي نوال صلاة الجماعة مع زميلتها في الغرفة، بينما تشارك عائلتها المكونة من والديها، وباقي إخوتها وزوجاتهم وأبنائهم عبر اتصالات الفيديو، لتشاركهم أجواء السحور والإفطار.

التجربة لم تختلف كثيرًا بالنسبة للصحفي كرم الغول، الذي يتواجد حاليًا في إحدى غرف الحجر الصحي بمدينة رفح، إذ تم إنشاء ألف غرفةٍ مؤخرًا لهذا الغرض.

لقد عاد إلى قطاع غزة من مصر، وهو متأهبٌ نفسيًا لقضاء 21 يومًا قد تمتد إلى 28، معزولًا عن روتين الحياة الذي اعتاد عليه.

يقول لـ "نوى" :"هنا الأجواء جميلة في الحجر، ولكن في القلب غصّة، فرمضان هذا العام يأتي وأنا بعيد عن طفلتَي وزوجتي، أحاول صنع البهجة في المكان وقضاء أوقات الجميلة، ولكنني أنتظر بفارغ الصبر العودة لأسرتي".

اعتاد كرم عشية رمضان من كل عام، إحضار الزينة لبيته واحتياجات شهر رمضان، خاصة الفوانيس التي يحملها لطفلتيه، فتنشران البهجة بأناشيدهما أثناء تزيينه البيت. يضيف: "هذا العام زوجتي هي من أحضرت الزينة، ووفرت كافة احتياجات الشهر، لكنني كنتُ أتابع معها أولًا بأول عبر اتصال الفيديو".

زوجة كرم نسقت الزينة كما لو كان هو الذي فعلها بيديه، يعلق الأب الملتاعُ شوقًا: "طفلتَي تضعاني في كل تفاصيل المائدة يوميًا، وأنا أيضًا أفعل ذلك كي لا تشعرا بأنني بعيد".

تحمل طفلته الكاميرا وتدور بها حول المائدة ليرى "كرم" كل ما أعدّوه، ويفرح بفرحتهم لحظة الإفطار، ففي مراكز الحجر يُفطر كل منهم في غرفته منفردًا، بينما يُصر كرم على الإفطار في جماعة مع زوجته وطفلتيه ولو عبر الكاميرا.

أجواء السعادة أيضًا موجودة في الحجر –كما يؤكد كرم- خاصة بعد إجراء الفحص الطبي للمحجورين والتأكد من سلامتهم، "ناهيك عن التعاون بينهم في تبادل الأطباق".

إلى حجر فندق "بلو بيتش" مرة أخرى، حيث السيدة الخمسينية وفاء الفرا، التي تقضي رمضان هذا العام بعيدًا عن أسرتها وأحفادها الثلاثة، الذين اعتادوا احتفال جدتهم بهم كل عام، وإحضار فوانيس رمضان لهم.

تقول السيدة :"الأجواء هنا جيدة ولكن لا شيء يشبه دفء العائلة، الاحتياجات الأساسية متوفرة، لكن الملل كبير، فليس لدينا خيارات سوى الجلوس في غرفتنا وعدم الاحتكاك بأحد".

كانت السيدة المكنّاة "أم خالد" تزور ابنتها المتزوجة في المملكة العربية السعودية، وآثرت العودة سريعًا مع تدهور الأوضاع بسبب كورونا، قضت عدة أيام في مصر أيضًا قبل العودة إلى غزة مرة أخرى.

تضيف السيدة وهي أم لخمسة أبناء وثلاث بنات: "قبل رمضان اعتدت تحضير احتياجات الشهر من أجبان ومربيات وسمبوسك، حتى زينة البيت وفوانيس أحفادي، لكن هذا العام أبنائي قاموا بهذا الدور، طبعًا هو ليس عبء عليهم ولكن أحفادي يفتقدون احتفالي بهم".

في رمضان كانت أم خالد هي من تحضّر طعام الإفطار و"تلمّ" العائلة، ولكن ها هي الآن تتابع أسرتها يوميًا باتصالات الفيديو، لقد فاتتها حقًا مشاهد الاحتفال بالشهر الفضيل، وتكبيرات الناس في الشارع، وفرحة الأطفال وأناشيدهم الرمضانية وهم يحملون الفوانيس.

تستدرك: "قبل رمضان بيومٍ واحد، عملت مع بعض الصبايا هنا على نشر جو من السعادة والبهجة، علقوا الفوانيس والزينة وشغلوا الأناشيد عبر الجوال، ولكن دون اختلاط، كل اثنتين في غرفتهن ولكن مظاهر السعادة عمّت المكان".

ولا يختلف الحال كثيرًا في مدرسة الكويت شمال قطاع غزة، إذ تقضي سارة الأسطل وزوجها وطفليهما مدة الحجر الاحترازي الذي بدأ قبل الشهر الفضيل بعدة أيام.

مع قدوم الشهر حاولت سارة أن تضفي أجواءً رمضانية على الفصل الذي تقيم فيه مع زوجها وأطفالها، فتقول: "اشترينا زينة رمضان، وزينا السفرة والجدران وفق ما هو متاح وممكن، هذه الأجواء رسمت البسمة على وجوه أطفالي، وانعكست على جميع المحجورين الذين بدأوا  بزيارة الفصل والتقاط الصور".

تلجأ سارة إلى اتصالات الفيديو، لتمضية الوقتئ خلال فترة الحجر، والاطمئنان على أحوال أهلها، وأحيانًا مشاركتهم جلسات السمر الرمضانية برفقة أبنائها، خروجًا من رتابة الواقع الذي أفرزه الحجر، "ورغم أن التكنلوجيا قربت البعيد، إلا أن لا شيئًا لن يغني عن التواصل الإنساني الحقيقي بين الأهل والأحبة، سيما في مثل هذه الأجواء والمناسبات" تستدرك.

 

كاريكاتـــــير