شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 28 مايو 2020م01:33 بتوقيت القدس

مش وقته!!

08 ابريل 2020 - 10:51
وفاء عبد الرحمن

شبكة نوى، فلسطينيات:  

أتابع -كما الجميع- الإيجازات والبيانات الحكومية في الضفة الغربية وقطاع غزة حول جائحة "كورونا"، وأتابع بعينٍ مفتوحةٍ أكثر، أسئلة الصحافيين والصحافيات بالذات في الإيجاز الصحفي، أو ما ينقلونه على صفحاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليس لأن مجتمع الصحافة هو مجتمع النخبة -فقد أثبت خلال الانقسام الفلسطيني أنه ليس كذلك- وليس لأن "الصحافة" مهنة مقدسة وربانية لا تخطئ، وإنما لتتبُّع بوصلة مجتمعٍ أعيشُ فيه ومعه، وقراءة الحالة المجتمعية العامة.

أستوعب حالة الخوف في بداية الإعلان عن الإصابات، والاكتفاء بنسخ ما ينطق به الناطق الرسمي، أو رئيس الوزراء، أو قيادة حماس في القطاع، وأتفهم أن مثل هذه "الجائحة" هي تجربة جديدة علينا نرغب في التعرف إليها أكثر، قبل أن نضع مؤشراتنا لقياس الأداء وطرح الأسئلة.

حاليًا مرَّ أكثرُ من شهرٍ على إعلان حالة الطوارئ -التي لم تلتزم بها حركة حماس في قطاع غزة- على اعتبار أنها دولةٌ قائمةٌ بذاتها، وجادَلَت و"برَّرَت"، وحين وقعَ الفأس في الرأس، عادت لتغني أسطوانة "رام الله لا تعطينا، ولا تمرر نصيبنا" يعني، هي دولة مستقلة حين تريد، وجزءٌ من هذا الوطن حين تحتاج إلى مساعدات، مع الإشارة إلى أن (الرعاية الصحية هي حق للشعب الفلسطيني في القطاع، وليست حقًا لحركة حماس، وليست منةً من أحد)!

خلال العدوان على قطاع غزة عام 2014م، تعالَت أصواتٌ كثيرةٌ في الضفة الغربية منتقدةً حركة حماس وأداءها، في ذلك الوقت كنت من بين أكثر من دعا إلى تأجيل النقد حتى يضع العدوان أوزاره، ليس محبةً في "حماس"، وليس لأنها لا تخطئ، ولكن في مواجهة العدوان الصهيوني، يصير النقد -بالذات منا نحن القابعون في بيوتنا الآمنة- بمنزلة رشٍّ للملح على جرحٍ مفتوح..

"النقد أثناء العدوان" رأيته حقًّا فقط لأهل القطاع، فهم من يدفعون الثمن الآني لكلِّ قرارٍ اتخذته الحركة في حينه "فلا يُفتي قاعدٌ في الخليل أو جنين، لمن تُمطر فوق رؤوسهم القذائف من رفح إلى بيت حانون"، وهذه كانت وجهة نظري الشخصية، يتفق معها أو يختلف من أراد!

هل تتطابق حالة مواجهة جائحة كورونا مع العدوان الصهيوني؟ هل يمكن أن نقول "مش وقته" النقد؟ و"مش وقته" الأسئلة؟ ولنؤجلها حتى نعبُرَ هذه الحالة الصعبة بسلام؟ برأيي الأمر مختلفٌ جدًا، الأخطاء الآنية –بدرجة كبيرة هي مسؤوليتنا نحن- رغم أننا لا نُعفي الاحتلال أبدًا من تردِّي حالة القطاع الصحي، وفي قطاع غزة المحاصر خاصة. الأخطاء الآنية قاتلة، وعدم تداركها الآن، وليس غدًا، سيكون ثمنه أرواحنا وأرواح من نحب!

في موضوع الجائحة، ما يحدث في "رفح" يصيبُنا في "رام الله"، وما يحدث في "دير جرير" يصيبنا في "النصيرات"، فـ"كورونا" ليست شأنًا محليًا وجاهيًا، نحن نسأل عما يحدث في الصين وإيطاليا والسودان والمغرب؟ وعليه فالأسئلة مفتوحة من أي مكان بخصوص أي بقعة، "جميعنا تحت العصا ذاتها"!

هناك أسئلة آنية لا يمكن تأجيلها، مثل الأسئلة المتعلقة بمواصفات الحجر الصحي، والأخطاء، أو التقصير، أو غياب المعلومات الوافية حول الإصابات، وهذه لا تُؤجلُ حتى انتهاء المصيبة، وكذا الأسئلة المتعلقة بتوفر أجهزة التنفس، وأسرّة العناية الفائقة، وبالمناسبة: أين تتوفر أجهزة التنفس المحدودة التي تتحدث عنها الحكومة في رام الله وسلطة حماس في غزة؟، أيضًا الأسئلة حول الرعاية المقدمة والوقاية لطواقم الصحة، ما خطة التعامل مع العمال الآتين من داخل "إسرائيل"؟ (خطة تحافظ عليهم وتحفظ كرامتهم)، الازدحام على الصرافات وأمام البنوك، والتدخلات للحد منه؟ قرار سلطة النقد بفتح مؤسسات الإقراض للمشاريع الصغيرة، من يتحمل مسؤولية هذا القرار؟

الأهم من كل ما سبق، مستشفيات القدس -مستشفيات كل الشعب الفلسطيني- وتحديدًا تلك التي تقدم الخدمات لمرضى السرطان، الذين يقصدونها من كل فلسطين! ماذا ستقدم الحكومة لها لضمان استمرار تقديمها الخدمة لمرضى السرطان والكلى، لا سيما المصابين بـ "كورونا" منهم، مع التحقق من حماية الطواقم العاملة؟

قد لا تكون الأسئلة المتعلقة بلجان الطوارئ التي شكلتها حركة "فتح" بشكل أساسي، أو لجان الأحياء التي شكلها تنظيم "فتح" في الضفة هي أسئلة آنية، قد يُحتمل تأجيلها إلى أن تضع الجائحة أوزارها، لكن الأسئلة المتعلقة بخطط الحكومة وسيناريوهات (أ، ب، ج) التي وردت في البيان الحكومي -ولم تحمل أي توضيحات- تحتمل التأجيل، وقد يراها بعضنا آنية، هي وجهات نظر. الأسئلة حول صندوق "وقفة عز"، واسترجاع الذاكرة حول صناديق لم نعرف مصيرها، مثل صندوق إغاثة مخيم اليرموك "مش وقتها"؟!

علاقة جهاز المخابرات بتوزيع معونات؟ من أين يوزع؟ وعلى حساب أي موازنة؟ أما دخوله على خط الحصول على الأدوات الصحية (أجهزة تنفس، ومسحات فحص.. الخ) فيبدو أننا بحاجة لتحقيق استقصائي عالمي، لأن أجهزة مخابرات العالم تفرغت لهذا العمل، ولكن في السياق ذاته هل هو وقته أم "مش وقته" أن نسأل عن حكمة الاستثمار في الأجهزة الأمنية، بتخصيص أكبر موازنة لها ضمن الموازنة العامة، وحرمان القطاع الصحي، والزراعي، والتعليم، من موازنات هي استثمارنا البشري؟

وعلى ما سبق كيف نقرر ما هو الآني وما هو الـ "مش وقته"؟ ومن يقرر الوقت؟ ومن يقرر نوع الأسئلة؟

برأيي، كلما كان ما تقدمه السلطات المسؤولة من معلوماتٍ شحيحًا، غدَت التربة خصبة للشائعات والتكهنات، وبرأيي، إن تكميم الأفواه لن يمنع الناس من الهمس، ولن يمنع القلوب من شحن نوبات غضبٍ ستظهر في وقتٍ لا نعلمه ولا يمكن التنبؤ به!

في ظل هذه الجائحة التي تصيبنا في حياتنا -أغلى ما نملك- ولا تفرق بين عقيدٍ وغفير، ولا غنيٍ ولا فقير، ولا قائدٍ "بحجم الوطن" ولا شحاذٍ على رصيف، يصير دور الإعلام التغطية بمسؤولية، والمسؤولية لا تعني السكوت عن طرح السؤال، ولا الطبطبة على الأخطاء، ولا التصفيق لموظفٍ عام أدى وظيفته التي يتقاضى عليها أجرًا، ولا الترويج لما تقوم به "الحكومات"، فلديها جيشها ومنصاتها الإعلامية التي تفعل ذلك، بل ولديها الإعلانات الترويجية المدفوعة.. وظيفة الإعلام هي طرح الأسئلة، وليس أي أسئلة، فالأسئلة التي تغضب "ترامب" مثلًا، نُدرك أنها "الأسئلة الحقيقية" التي يجب أن تُسأل، وظيفته التوعية، هذا صحيح، ونشر الأخبار، وعدم التهويل والترويع، وبالمقابل عدم التبسيط، ولكن الأهم من كل هذا وذاك، أن يكون صوت المواطن، يتحسس ألمه الآني وأسئلته الآنية، ويستشرف أسئلة المستقبل القريب!

ليس مطلوباً من الصحفي أن يكون مخططًا إستراتيجيًا ليضع إستراتيجيات عملٍ للهيئات العامة، ولكن من حقه سؤال من يضعون تلك الاستراتيجيات عن تفاصيلها، وخططهم في حال حدوث السيناريوهات الأسوأ؟ ماذا لو عجزت "السلطة" في رام الله، و"حماس" في غزة عن تسديد الرواتب (تسدد حماس 40% من الراتب منذ أعوام)؟ ماذا لو تفشى المرض بين أفراد الأجهزة الأمنية الذين يحفظون النظام؟ ماذا لو ضمت "إسرائيل" فعليًا الغور ومناطق (ج)؟ أو ماذا لو انتشر الوباء بين أسرانا وأسيراتنا في سجون الاحتلال والعالم منشغل بمحاربة الجائحة؟ هل سيستمر التنسيق الأمني مع الاحتلال؟ هل ستستمر المناكفات ويستمر الانقسام؟

أن تكون صحفيًا هو قرارٌ سياسيٌ بامتياز، فإما الانحياز للوطن والمواطن -حقوقه وكرامته في أصعب الظروف- وهذه نختبرها في الجائحات والمصائب، أو الانحياز لفصيل، ومؤسسة، وحكومة، وقائد بحجم وطن أو حجم قرية أو حارة!

السلامة لأهلنا في فلسطين وخارجها، بل السلامة لأهلنا -أهل كل الكوكب- والحرية لفلسطين من الاحتلال والانقسام والفساد والظلم والمرض.

*المديرة العام لمؤسسة فلسطينيات

*رئيسة تحرير وكاله نوى 

اخبار ذات صلة