صباحٌ خريفيٌ عادي من صباحات شهر آيار/ مايو، كان صغير خلود (23 عامًا) الذي لم يتجاوز عمره ستة أشهر غارقًا في نومه، بينما كانت هي تستغل هدوء البيت لإنجاز مهامها المنزلية وإعداد وجبة الفطور.
الساعات مرّت "رائقة" قبل أن يقلب نقاشٌ مشحون مع زوجها حياتها رأسًا على عقب، بعد أن انفجر في وجهها كقنبلة موقوتة، وانتهى به غضبه بأن سكب على كامل جسدها البنزين، ثم أشعل النار.
تقول لـ "نوى": "كل شيء حدث في غضون لحظات، وقفت متجمدة في مكاني وهو يسكب البنزين على جسدي، لم أكن أستوعب ما يحدث"، مضيفةً: "بعد اشتعال النيران حاولت الفرار من الغرفة حيث كان طفلي نائمًا، كنت أصرخ، وأطلب من الله أن يقبض روحي".
خلود التي أصيبت بحروق من الدرجة الثالثة والرابعة في كافة جسدها ووجهها، تعيش اليوم نتيجة حادثة استغرقت دقائق معدودة، لكنها خلفت في جسدها وقلبها ندوبًا حسية ونفسية عميقة، دفعتها إلى التقوقع على ذاتها، والانعزال عن المجتمع، لتفادي نظرات الناس الفضولية، وتعبيرات الصدمة على وجوههم كلما رأوها.
خلود هي واحدة من عشرات النساء في قطاع غزة اللاتي، يعانين من تشوهات ناجمة إما عن العنف المنزلي، أو عن الحروب الإسرائيلية والقصف المستمر، وهي مثلهن تمامًا، عاجزة عن استئناف حياتها بشكلٍ طبيعي، أو حتى الاندماج مع المجتمع كباقي النساء.
وتواجه النساء عمومًا، تمييزًا كبيرًا في المجتمعات الشرقية سيما "المجتمع الفلسطيني" داخل قطاع غزة، ما قد يضع اللاتي يعانين من تشوهات منهن في مواقف لا يحسدن عليه.
وتواجه النساء عمومًا، تمييزًا كبيرًا في المجتمعات الشرقية سيما "المجتمع الفلسطيني" داخل قطاع غزة، ما قد يضع اللاتي يعانين من تشوهات منهن في مواقف لا يحسدن عليه "فبالإضافة إلى التمييز، ستستقبل الأحكام التي تبنى غالبًا على معايير الجمال، في التوظيف أو الزواج أو حتى الدمج المجتمعي.
تقول خلود: "دائما بطلب الموت، عندي اكتئاب حاد، بحاول أكون مبسوطة بس مش قادرة".
تحاول خلود التملص من نظرات الناس القاسية، وسيل الأسئلة الذي ينكب عليها منذ الحادثة، بارتداء النقاب في الأماكن العامة، والنأي بنفسها بعيدًا عن أي مناسبة اجتماعية.
تضيف: "كل من يمر بي يسألني عن ما حدث معي، أسئلتهم تلاحقني وتخنقني طوال الوقت"، مبينةً أنها اضطرت للكذب مرارًا، وادعت بأن الأمر كله ناجم عن حادث منزلي نتيجة انفجار فرن الغاز "لكن لم يعد هناك طاقة تكفي للشرح والإجابة، ولا حتى للكذب مجددًا".
أطفالي يرتعبون مني
كانت الحرب في بدايتها، أزيز الطائرات في الخارج تنبئُ ببحثها عن صيدٍ ثمين بين صفوف المدنيين، خديجة وعائلتها يتكدسون داخل سيارة تقلُّهم إلى منزلهم بعد يومٍ عصيب، قبل أن يفاجئهم صاروخ "زنانة" أتى على كل ركاب السيارة، وخلّف فقط خديجة ووالدها أحياءً يعانون تشوهات كبيرة.
تعاني خديجة (30 عامًا) وهي أمٌ لثلاثة أطفال، من تشوهات في الوجه والجسد إثر إصابتها نتيجة قصف إسرائيلي خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة صيف 2014م.
لم يستطع أطفالها الذين لم يتجاوز عمر أكبرهم حينها الست سنوات، استيعاب التغير المفاجئ في جسد ووجه والدتهم، حتى أن صغيرها "ساهر" ظنَّ أنها ماتت في القصف، ولم يتقبل أبدًا وجودها إلى جانبه بشكلها هذا إلا بعد حين.
تقول لـ "نوى": "أولادي كانوا يخافون من شكلي، واستغرق الأمر منهم سنوات حتى اعتادوا عليه، ذلك بعد إجراء عدد من عمليات التجميل".
تركت خديجة زوجها بعد إصابتها، لأنه لم يستطع التعايش مع وضعها الجديد، أو تحمل تكاليف علاجها، وفق قولها.
بعد الحرب، كنت دائمًا أحاول أن أخفي نفسي عن الأنظار، ولهذا ارتديتُ النقاب، أهل غزة لا يكفون عن طرح الأسئلة، كما أنني لم أشارك منذ ذلك الحين في أي مناسبة اجتماعية.
تضيف: "بعد الحرب، كنت دائمًا أحاول أن أخفي نفسي عن الأنظار، ولهذا ارتديتُ النقاب، أهل غزة لا يكفون عن طرح الأسئلة، كما أنني لم أشارك منذ ذلك الحين في أي مناسبة اجتماعية".
سألتها إن حاولت البحث عن عمل بعد الحادث، فأجابت: "اللي مثلنا ما إلهم شغل، أفكر في العمل، وأفكر في الأسئلة التي ستطرح علي حين التقدم لأي وظيفة".
العائق المادي يقف في وجه استكمال خديجة لعلاجها، وعودتها إلى حياتها الطبيعية، تردف بالقول: "أتمنى أن أستعيد شكل وجيهي حتى لا يخاف أولادي مني مجددًا، أ يشعروا بالخجل من المشي إلى جواري في الطرقات".
الحب ليس لمثلي
مجدولين الأخرى، ابنة الـ (25 عامًا)، اضطرت إلى ترك المدرسة في سنٍ مبكرةٍ جدًا بسبب جلساتها العلاجية الطويلة والمستمرة طوال العام.
عانت مجدولين من تشوهات خلقية في عدة أجزاء من وجهها منذ الولادة "الأذن، والأنف والشفاه والعين والرقبة"، فيما لم تساعدها عمليات التجميل الكثيرة التي أجرتها في تحسين شكل وجهها، أو التخفيف من وطأة التشوه فيه.
التشوه عقد حياتها الاجتماعية من جانب، وألغى أي فرصة لها من الناحية العاطفية من جانب آخر –كما تقول- حيث إنها تخلت عن فكرة الارتباط منذ فترة طويلة جدًا، بعد أن أيقنت أن هذا المجتمع لا يمكن أن يولي فتاة بوجه مشوه نظرةً طبيعية، ضمن مقاييس الجمال.
تتوقف لحظات لتلتقط أنفاسها قبل أن تكمل حديثها: "في المخيم أنا الوحيدة المختلفة، مع ذلك أشعر هناك قليلًا بالألفة، فقد اعتاد علي الناس، واعتدتُ عليهم، لكن مع أول الخطوات خارج المخيم تلاحقني النظرات والأسئلة".
تحتاج مجدولين لعملية تجميل شاملة ليست متاحة في قطاع غزة، وتختتم حديثها بالقول: "بتمنى أسافر برة وأكمل علاجي، بعدها راح أرجع للدراسة، راح أصير زي أي بنت طبيعية".
ولا تتوفر احصائيات شاملة حول أعداد النساء الذي يعانين تشوهات في قطاع غزة، فيما تشير مبادرة "المرأة الأوركيدية" التي انطلقت أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، التي تسعى لدمج النساء اللاتي يعانين تشوهات في المجتمع، إلى أن عدد من دخل مجمع الشفاء الطبي نتيجة الحروق بين عام 2010م، وعام 2019م، "24.185" حالة، بواقع "10.624" سيدة على مدى عشر سنوات، إلى جانب من دخلن المستشفيات المنتشرة في قطاع غزة من شماله حتى جنوبه.
تعاني هؤلاء النساء، وفق المبادرة، من ضغوط نفسية واجتماعية وتمييز في المعاملة على أساس "المظهر"، ومن حرمان من فرص العمل.
تقول المخرجة الفلسطينية سحر فسفوس، إحدى الناشطات المؤسسات للمبادرة: "إن النساء الأوركيديات يحاولن عزل أنفسهن بارتداء النقاب خوفًا على الآخرين منهن! وهذه هي المفارقة"، مردفةً: "هؤلاء النساء يغلقن على أنفسهن قبل المجتمع، فيفضلن تغطية أنفسهن حتى لا تخيف واحة منهن طفلًا أو سيدة حامل، كما يعتقدن".
وتشير إلى أن التمييز ضدهن، يبدأ من العائلة نتيجة الجهل في كيفية التعامل مع نفسية المرأة التي تعاني من تشوه في أحد أجزاء جسمها، أو حتى احتوائها، مرورًا بنظرة المجتمع القاسية تجاههن، فضلًا عن حرمانهن من فرص العمل والتوظيف التي تشترط في الموظفات غالبًا، حسن المظهر.
























