شبكة نوى، فلسطينيات: يصعد الدم إلى وجنيتها، تأخذ نفسًا عميقًا وتخرجهُ ببطء، تقفُ منتصبة القامة، وتصغي بكامل انتباهها لتوجيهات المخرج التي تأتيها عبر سماعة الأُذن، التي تطلب منها تنسيق حركات جسدها ووجهها مع ثلاث كاميرات يحدقن بها.. لكنها لا ترى أيًا منها.
على خلاف غيرها من المذيعات، لا تتلو "وردة الشنطي"، نصها من الملقن الأوتوماتيكي "التلي برومبتر"، بل تحفظ النص في رأسها وتتلوه أمام الكاميرات، ابنة الـ (27 عامًا)، هي أول مذيعة كفيفة تظهر على شاشة التلفزيون الرسمي الفلسطيني، حيث تقدم برنامجًا هو الأول من نوعه في الإعلام الفلسطيني المحلي، عنوانه: "من زاوية أخرى" ويسلط الضوء على قضايا ذوي الإعاقة.
"كان الأمر صعبًا في البداية، سألتُ نفسي كثيرًا هل سأنجح؟ أنا لا أرى الكاميرات فكيف سأنسق حركات وجهي معها ونحوها؟"
"كان الأمر صعبًا في البداية، سألتُ نفسي كثيرًا هل سأنجح؟ أنا لا أرى الكاميرات فكيف سأنسق حركات وجهي معها ونحوها؟"، تقول وردة لـ "نوى".
وتضيف: "المخرج يقدم لي الإرشادات بشكلٍ مستمر أثناء تسجيل الحلقة، مثلًا يقول لي: أديري وجهك ثلاث سنتميترات لليسار، إلى اليمين، وهكذا.. حتى أتقنت التعامل مع الكاميرات وإن لم أرها".
فقدت وردة بصرها حينما كانت طفلة لا تتجاوز سن التاسعة، نتيجة مرض "تليف الشبكية" النادر، وتعترف: "تصوراتي عن الناس والأشياء وحركاتها ليست واضحة تمامًا في عقلي الباطن، وهذه أكبر العقبات التي واجهتها في بداية الأمر خلال العمل التلفزيوني".
استغرقت وردة بعض الوقت لتعتاد الكاميرات، وتشكل صورة ذهنية جيدة عن الأستديو، وهو ما طور أداءها ودفعها للاستمرار في تقديم المزيد من الحلقات.
ويقدم البرنامج الذي لا تزيد مدة حلقته عن النصف ساعة، قصص نجاح لذوي الإعاقة، تتابع وردة: "نسعى إلى توصيل رسالة للمجتمع: ذوو الإعاقة، قادرون على إثبات وجودهم وترك بصمتهم في كل الميادين، هم أشخاص فاعلين في المجتمع، وبإمكان كل واحد منهم أن يكتب قصة نجاحه رغم كل الظروف المحيطة".
شغف وردة بالعمل الإعلامي ليس وليد اليوم، فمنذ كانت طفلة، كان لديها تعلق كبير بالراديو حيث تمارس لعبتها المفضلة بتخيل أصحاب الأصوات، والتفريق بين الأصوات المميزة من غيرها، ومع الوقت نما هذا الشغف ليصبح حلمًا تحقق بعد حين.
"التحقتُ بقسم الصحافة، وكان هدفي أن أغير نظرة المجتمع النمطية تجاهنا، إذ غالبًا ما يلتحق أصحاب الإعاقات بكليات الشريعة أو التربية".
التحقت بقسم الصحافة والإعلام في الجامعة الإسلامية، على خلاف رغبة والديها، لتصبح بذلك أول شخص من ذوي الإعاقة يلتحق بأقسام الصحافة في فلسطين، تعلق على هذه النقطة بالقول: "كان هدفي الأول هو أن أغير نظرة المجتمع الفلسطيني النمطية تجاهنا، إذ غالبًا ما يلتحق أصحاب الإعاقات بكليات الشريعة أو التربية، لينتهوا إما رجال وعظ أو مربين، فأردت أن أثبت أنهم يستطيعون الانخراط بأي مجال، والنجاح فيه، ثانيًا أردتُ التوعية بحقوقهم وواقعهم وتوصيل رسالتهم".
تؤمن وردة أن الصحافي ذي الإعاقة، أكثر أهلية لتوصيل رسالة نظيره، من غيره من الصحافيين، وهو الأقدر على فهم قضيته واحتياجاته، لذلك تقوم بنفسها بالبحث عن القصص التي تعرض في البرنامج، لتختار أفضلها، التي تخدم رسالة برنامجها، وتزيد: "شبكة علاقاتي الواسعة مع ذوي الإعاقة، تسهل مهامي على خلاف غيري من الصحافيين".
وتقدر أعداد الأشخاص من ذوي الإعاقة في فلسطين بنحو 93 ألفًا، غالبيتهم متعطلين عن العمل، وفق تقرير الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي صدر في ديسمبر 2019م.
ويعاني ذوو الإعاقة في فلسطين من قلة الفرص المتاحة لهم في سوق العمل، إذ تشير بيانات تعداد 2017م، أن معدلات البطالة بين الأفراد من ذوي الإعاقة بلغت 63 %، وهي في قطاع غزة الذي يعاني من اقتصادًا متدهورًا جراء الإغلاق المستمر.
"المؤسسات الإعلامية لديها تحفظات كثيرة على توظيف ذوي الإعاقة، كونها تبحث عن موظف "جوكر" يقوم بعدة مهام معًا، وهو ما لا يستطيعه أحد منا".
"المؤسسات الإعلامية ليست استثناءً"، تقول وردة، وتكمل: "المؤسسة الإعلامية على وجه الخصوص عندها تحفظات كثيرة على توظيف الأشخاص من ذوي الإعاقة، كونها تبحث عن موظف "جوكر" يقوم بعدة مهام معًا، وهو ما لا يستطيع فعله أحد منهم".
تعقب وردة بثقة تظهر في صوتها الدافئ: "إن البرنامج يحقق نسبة مشاهدات عالية، تدفع الفريق لإنتاج المزيد من الحلقات والاستمرار في عرضه".
تطمح وردة للعمل مع مؤسسات إعلامية دولية، لترفع صوت ذوي الإعاقة عاليًا، وتطور مهاراتها على نحوٍ أكثر احترافية. تردف بابتسامة رقيقة: "حلمي أن أحلق خارج حدود قطاع غزة، وأن أعمل مع محطات وإذاعات دولية، وأنقل رسالتي إلى العالم".

























