البيرة:
تُجبَرُ السيدة رندة سعدة الله "أم قصي" على وضع "طقم الصلاة" إلى جوارها طوال الوقت حتى وهي داخل منزلها، ففي أي لحظةٍ من المتوقع أن يقتحم جنود الاحتلال الإسرائيلي، أو مجموعات المستوطنين، بيتها الكائن في حي "جبل الطويل" إلى الجانب الشرقي من مدينة البيرة بالضفة الغربية المحتلة.
السيدة، عادت برفقة زوجها منذر الجيوسي وأبنائها الستة (خمس بنات وشاب) إلى أرض الوطن عام 1995م عقب توقيع اتفاقية أوسلو، وسكنت منزل زوجها الذي ورثه عن أبيه وأجداده في هذه المنطقة المرتفعة من مدينة البيرة.
لسوء حظ العائلة التي عادت يدفعها الشوق إلى أرض الوطن، فالمنزل يقع على بعد 100 متر فقط من مستوطنة "بسجوت" التي تقيم فيها مجموعةٌ من عائلات المستوطنين، تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ الأمر الذي جعل أهالي المنطقة يعيشون معاناة الاعتداءات اليومية، إذ تطل شبابك البيت الخلفية على المستوطنة التي تكشف كل المنطقة كونها تحتل أعلى الجبل.
تروي أم قصي لـ"نوى" معاناتها اليومية فتقول: "يعتدي جنود مستوطنة بسجوت" علينا بشكل مستمر، خاصة عندما يطلقون الغاز، فنتعرض للأذى والاختناق، إضافة إلى الاقتحامات المستمرة لبيوتنا في أي لحظة، نهارًا أو ليلًا".
تضيف: "حتى حين أوصل بناتي إلى جامعتهم، وأعود بسيارتي، أُضطر لتركها قرب منزل أختي على مسافةٍ بعيدةٍ نسبيًا عن البيت، وأكمل الطريق الوعرة باتجاه الجبل سيرًا على الأقدام".
يقع منزل العائلة في المنطقة المصنفة (C) وفقًا لاتفاق أوسلو، وهذا يعني أن المسؤولية الأمنية والإدارية عن كل سكانها تتبع لسلطات الاحتلال الإسرائيلي، ما يجعل معاناتها هناك معقّدة، فلمن يشتكون عندما يكون المُنتهِك هو صاحب السيطرة وفقًا للاتفاق؟ أضف إلى ذلك وقوع المستوطنة المذكورة إلى الخلف من المنزل، ما يجعل بيتهم مكشوفٌ بشكلٍ دائمٍ للمستوطنة وكاميراتها وجنودها ومستوطنيها، الذين يرافقون الجنود أثناء الاعتداءات.
يروي زوجها السيد منذر الجيوسي (62 عامًا) القصة منذ البداية فيقول: "كنت مُغتربًا في أمريكا، وعُدت إلى منزل عائلتي الذي بناه أبي عام 1961م، بطبيعةِ الحال أعرف بوجود المستوطنة والاعتداءات التي تحدث من طرف حراسها وسكانها من المستوطنين، فأنا كنت أزور فلسطين قبل أن أستقر فيها بشكل نهائي".
في شبابه تعرّض الجيوسي الذي تعود أصول عائلته لقرية "جيوس" جنوب مدينة قلقيلية، للاعتقال أكثر من مرة على أيدي سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وبسبب ضيق الحال في البلاد التي وقعت تحت الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1948م، أي قبل مولده بعشر سنوات، فقد سافر إلى الكويت لتكوين مستقبله، ثم عاد وتزوج بالسيدة رندة وسافر معها مجددًا إلى الولايات المتحدة التي كانت تعيش فيها أصلًا.
ويضيف: "هنا الانتهاكات تحدث في أي وقت، يستفزونا باقتحام البيوت ويستخدمونها لرصد حركة الشبان الفلسطينيين، وإطلاق النار وقنابل الغاز نحوهم، وحتى نحن يستخدمونا في الكثير من الأحيان كدروع بشرية".
قبل فترةٍ قصيرة، تعرضت عائلة الجيوسي لاقتحامٍ مفاجئ تمام الرابعة فجرًا، حين أضيئت الكشافات في وجوه أبنائها وهم نيام "كان هذا في فصل الشتاء، بينما أم قصي نائمة، وتُخفي نفسها بالكامل بالغطاء بسبب البرد الشديد".
خاطبهم الجندي باللغة العربية مدعيًا أنه عربي، ما جعل أبو قصي يرد غاضبًا: "فشرت تكون عربي، لو كنت منا لكان عندك شرف، وعرفت أنه لا يجوز اقتحام البيوت على أهلها".
تستلم أم قصي دفة الحديث فتقول: "خصوصيتنا كنساء معدومة، يقتحمون البيت في أي لحظة، ذات مرة اقتحموا البيت نهارًا بينما كنت أستحم وعندي شقيقتي وطفلتها، ارتديت ملابسي بسرعة وخرجت فوجدت الطفلة مصدومة، وتنظر إلى البنادق والجنود الذين يرتدون الزي العسكري والخوذات والدروع بشكل مخيف، وهي ما زالت حتى الآن تحت تأثير الصدمة".
وتردف: "صرخت في وجوههم حينها، وقلت لهم لم كل هذه الهمجية؟ المستوطنة مليئة بالكاميرات، ستشاهدون النملة لو دخلت بيتنا، فلماذا ترعبون الصغار؟"، تصمت قليلًا وتعقب: "والله بنت أختي حتى اليوم بتخاف تزورنا رغم حبها الكبير إلنا.. المشهد كان قاسي كتير على طفلة".
قبل أربعة أيام بالضبط، اقتحم جنود الاحتلال البيت الساعة الرابعة فجرًا، فلما خرج إليهم أبو قصي غاضبًا، قال الضابط ساخرًا "مالك شكلك تعبان"، فأجابه الرجل بعصبية: "واحد نايم وصحيتوه كيف رح يكون؟".
كان الضابط يقف قرب شرفة المنزل، ثم تظاهر بأنه لا يتحدث العربية، كان يصوّرُ شيئًا في المنطقة، ثم هرجَ وقال باللغة العبرية: "تودا رابا תודה רבה" أي "شكرًا جزيلًا"، فرد عليه أبو قصي "بديش شكرك".
يكمل أبو قصي حديثه عن المواقف الاستفزازية التي يتعرض لها بشكلٍ يومي مع جنود المستوطنة، فيقول: "دخلوا البيت مرةً وقالوا لي: بعدين مع المشاكل؟ أجبتهم: أنتم سبب المشاكل"، حينها باغتوني بردهم الساخر: اشتكي لمحمود عباس"، فلما أجبتهم بـأنني من سكان المنطقة C التي لا نفوذ للسلطة الوطنية الفلسطينية عليها، ولكن هذا لا يمنع أنني حسب الاتفاقية أيضًا أملك حقوقًا طالما أنني أعيش في هذه المنطقة".
وفي مرةٍ أخرى، طلب الجنود ذات مرة منه الصعود إلى سطح المنزل لوضع كاميرات مراقبة لكنه رفض، هنا هددوه بأنهم سيغلقون طريق الخروج أمامه، فلم يرضخ أمامهم، وقال لهم: "بل أنتم مجبرون حسب اتفاق أوسلو على توفير طريق أمر منها للتبضع وشراء حاجيات أسرتي".
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فأم قصي التي تعيش في البيت برفقة والدة زوجها الثمانينية، وابنتيها الجامعيتين، يعيش أهلها في مدينة رام الله، بالمنطقة المصنفة وفقًا لاتفاق أوسلو (A)، التي تتبع أمنيًا وإداريًا للسلطة الفلسطينية، وهم (أهلها) "عائدون" لا يحملون بطاقات هوية فلسطينية، بينما هي حصلت عليها لأن زوجها يحمل هوية، وهذا جعل عائلة أهلها محرومة من زيارتها خوفًا من تعرّض أفرادها للاعتقال.
تقول :"يزورونني بشكل متباعدٍ جدًا، فمجيئهم يشكّل خطرًا عليهم خاصة بالنسبة لشقيقي العشريني الذي يمكن أن يتعرض للاعتقال، أحاول تعويض الأمر بزيارتهم أنا بين الحين والآخر".
ورغم كثرة الشكاوى التي تقدّمت بها العائلة للسلطة الفلسطينية، ولمؤسسات حقوق الإنسان، إلا أن هذا لم يجدِ نفعًا، ما يخفف عنهم فقط، هو وجود مجموعات من حركات التضامن الدولية التي تزور المنطقة بشكل مستمر، وتتظاهر ضد انتهاكات الاحتلال فيها.
منذ كانت صغيرة، عاشت رندة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي شبابها عادت إلى فلسطين حيث تزوجت وسافرت مرة أخرى، ورغم يُسر الحال هناك في الغربة، وصعوبة الحال في أرض الوطن، إلا أنها تؤمن بأن تراب الوطن أولى بأهله، من أولئك الذين قدموا إليه أشتاتًا واحتلوه، هذا ما تربي عليه أولادها اليوم، وتتطلع إلى تربية أحفادها عليه غدًا.
مستوطنة بسجوت

السيد منذر الجيوسي يحتفظ ببقايا قنابل الغاز التي يطلقها جنود الاحتلال في حديقة منزله




الطريق المغلق المؤدي إلى بيت عائلة الجيوسي واضطرار السيدة رندة لترك سيارتها بعيدًا

جنود الاحتلال يقتحمون منزل الجيوسي ويستخدموه لإطلاق النار
متضامنون أجانب في بيت عائلة الجيوسي من بينهم رئيس بلدية هيوستن



























