شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 06 مايو 2026م02:24 بتوقيت القدس

عادت من دوامها المدرسي بـ "كفن"..

 دم الطفلة "رهف زينو" في رقبة مَن؟

04 مارس 2020 - 01:11

شبكة نوى، فلسطينيات: 29 كانون الثاني/ يناير.. ضاقت الأرض بفرحة رهف زينو في ذلك اليوم، لقد أعطاها والدُها هذه المرة مصروف الأسبوع كاملًا، "ستة شواكل بالتمام" قالت لإحدى صديقاتها إنها ستدخرها لتشتري بها احتياجات الرحلة التي أقرتها المدرسة خلال أيام.

بعد الحصة الأولى –وكانت بلا معلمة- أخبرت رهف صديقتها ذاتها بأنها ستنزل إلى غرفة المعلمات لتلتقط صورةً مع المعلمة إحسان، "لكن لم يمر الكثير من الوقت، حتى عادت رهف إلى الصف بحالٍ غير الذي غادرته به" تقول.

وتضيف الفتاة -التي طلب أهلها التحفظ على اسمها- لشبكة "نوى":  "كانت تبكي، بدت منهارةً تماماً، وكانت تمسك بيدها كتاب إنذارٍ بالفصل موجه لولي أمرها"، متابعةً: "بكت كثيرًا، قالت إنها بسبب هذا الكتاب يمكن أن تُحرم من العودة إلى المدرسة للأبد".

"بكت كثيرًا، قالت إنها بسبب هذا الكتاب يمكن أن تُحرم من العودة إلى المدرسة للأبد".

بعد أن حاولت زميلاتها تهدئتها، خرجت رهف لتغسل وجهها –كما قالت لهن- لكنها لم تعُد، كل ما حدث أن الفتيات سمعن صوت صراخ، وقيل لهن: "رهف سقطت من الطابق الثاني، وتم نقلها إلى المستشفى".

بالعودة إلى تفاصيل ما قبل الحادثة، تؤكد الصديقة أن القصة بدأت في السابع والعشرين من كانون الثاني/ يناير الماضي، عندما سمعت إحدى المعلمات رهف، تصف معلمةً أخرى –على سبيل المزاح واللغو- بـ "الزعرة" (أي القصيرة حسب اللفظ الفلسطيني)، فما كان منها إلا أن بدأت بتأنيبها، ثم حوّلتها إلى المديرة بعد أن هددتها بأنها ستعطيها إنذارًا بالفصل.

ووفقاً للصديقة المطلعة على كل تفاصيل الأمر، في نفس اليوم توجهت رهف للمدرسة التي أساءت لها باللفظ، وطلبت منها أن تسامحها لأنها اغتابتها، والتي قابلت الأمر بتسامح، إلا أن المعلمة ( م) أصرت على أن تعاقب رهف بإنذار الفصل.

تتابع: "مر يوم الثلاثاء ذاك عاديًا، كانت رهف تتجنب أن تراها المعلمة (م) خشية أن تعطيها الإنذار، وكانت تختبئ حينما تلمحها في أي مكان في المدرسة، متمنية أن تنسى الأمر".

تؤكد صديقة  رهف التي تعرفها من الصف السابع، أنها كانت طبيعية، "وإن كانت أحياناً تشكو من والديها، كل ما كانت تقوله لم يعدُ كونه فضفضة بين الصديقات، لكنها لم تشكُ أبدًا من تعنيف أو ضرب تتعرض له في البيت أبدًا".

وكانت الطفلة رهف زينو 14 سنة قد سقطت نهاية يناير الماضي، من الدور الثاني بمدرسة فهد الصباح  الكائنة بحي التفاح شرق مدينة غزة، ومكثت في العناية المركزة 11 يومًا وفي اليوم الثاني عشر توفيت.

من الشرفة المقابلة

انهمر المطر غزيرًا يوم الحادثة، كان الفتى عبد الرحمن حسونة (16 عامًا) يقف على شرفة منزله في الطابق الخامس يراقب المحيط، كان يستطيع رؤية ساحة المدرسة بوضوح عندما لمح إحدى الطالبات تتحرك في أحد الممرات المقابلة للصفوف المدرسية في طابق المدرسة الثاني.

يقول ضمن شهادته لـ "نوى": "أشارت الساعة إلى الثامنة، كنتُ يومها غائبًا عن المدرسة، رأيت الفتاة تضع قدمها على السور الحديدي ثم تنزلها وتعود لتمشي في الممر، قبل أن تعيد الكرة  نفسها مراتٍ عدة، رأيت معلمتان خارجتان من المقصف، لا أعرف إن كانتا انتبهتا لها أم لا".

عندما عاد الفتى لينظر نحو الفتاة، رآها تسقط من الأعلى، مع صوت صرخةٍ أخيرة، ثم ارتطامٍ بالأرض.

تمام العاشرة إلا ثلث، رن هاتف والدة رهف، ليخبرها المتصل بأن "رهف" في المستشفى بعد أن سقطت إثر دوارٍ أصابها.

والدة رهف التي قابلت "نوى" وتحدثت بغصة، جاهدت نفسها لتستذكر وقع ذلك الألم فقالت: "توجهت إلى مستشفى الشفاء، وكل ظني بأن ابنتي تعرضت لنوبة دوار عادية كونها خرجت إلى المدرسة بلا طعام، لكن الفاجعة حينما أخبرني أحد الممرضين أن ابنتي في العناية المركزة".

تتابع: "لم أستوعب ما قاله الممرض، لكنني بدأت أفهم الأمور شيئًا فشيئًا عندما فوجئت بضابط المباحث يحقق معي حول ملابسات الحادثة التي لا أعرف عنها شيئًا، ويسألني بما يحمل صيغة اتهام عن مشاكل أسرية قد تكون دفعت رهف للانتحار".

"انتحار"! عندما قالها الضابط، أدركت أم رهف بعدها أنها خسرت ابنتها إلى الأبد.

تنفي الأم تمامًا رواية "انتحار طفلتها"، وبينما كانت تواصل حديثها، كانت تفرغ محتويات حقيبة رهف المدرسية: نظارتها، وقلادةٌ نُقش عليها اسمها، وساعة يد تحمل اسمها، واسم صديقتها المقربة، دفاتر غاية في الترتيب، خط جميل، وألوان زاهية، كلها تنبئ عن طفلة مقبلة على الحياة لا مدبرة منها.

تشير إلى محتويات حقيبتها وتتسائل بنبرة استنكارٍ ووجع: "هل هذه دفاتر طفلة تعاني من مشاكل نفسية كما يدعون داخل المدرسة؟ وإن كانت كذلك، لماذا تعاملوا معها بكل هذا العنف داخل المدرسة؟ ولماذا لم يتواصلوا معنا حينما أذنبت؟ لماذا حاصروها بصدهم وضغطهم وطردهم لها على مدار يومين.. وفي اليوم الثالث أصدروا بحقها إنذارًا بالفصل؟".

تساؤلات أخرى كثيرة، حملها لسان الأم المكلومة، كانت تتمتم بغضب: "اليوم رهف بكرة مين؟!".

يشاركها الأب المصدوم بحجم التشويه الذي طال حقيقة ما جرى مع ابنته، مؤكدًا أن ابنته عاشت حياة طبيعية داخل أسرتها كأي أسرة في قطاع غزة.

يقول: "لم أضربها يوماً، لم أكن أقبل أن تساعد أمها في أعمال المنزل خشية أن تتأذى أو تتعب، كانت لمدة سبع سنوات طفلتنا الوحيدة مع شقيقيها، فكيف لنا أن نعنفها ونسبب لها مرضاً نفسياً كما يدعون؟"

يستهجن والد رهف تجاهل إدارة المدرسة والوزارة بأكملها لقضية طفلته مضيفًا: "حتى أن أحدًا منهم لم يفكر بزيارتها في المستشفى طوال فترة وجودها هناك، أو الحضور لبيت العزاء (..) ما يصدمني أكثر محاولات تغيير الوقائع وبث الإشاعات حول معاناة رهف من الاكتئاب أو حالة نفسية".

"ضغوط أسرية" برواية التعليم

معتصم الميناوي مسؤول العلاقات العامة في وزارة التربية والتعليم، رفض بدوره التعقيب على الموضوع "بداعي أن القضية تنظر لدى النائب العام ولم يفصل فيها"، مشيراً إلى أن رواية التعليم تم تسليمها للنيابة التي من المنتظر أن تقول الكلمة الفصل في القضية بعد انتهاء التحقيق.

وبمراجعة مركز الميزان لحقوق الإنسان، الذي تقدم بشكوى لوزارة التربية والتعليم وفقاً لرواية الأهل، قالت منسقة وحدة المساعدة القانونية في المركز ميرفت النحال: " وصلنا جواب مكتوب من وزارة التربية والتعليم ورد فيه( بعد الاجتماع مع الإرشاد التربوي للمدرسة، تبين لنا أن الطفلة رهف كانت تعاني من سرحان وانطواء وحزن شديد، وظروف أسرية صعبة، وذلك منذ العام 2018م، ما أدى لانتباه المعلمات).

تتابع سرد  حواب التعليم : "لقد تم تحويلها للمرشدة التربوية في المدرسة، التي حولتها بدورها إلى دراسة حالة، فكانت الطالبة تعاني من قسوة أهلها، وتشديد أبيها، حتى أنها قالت يومًا للمرشدة (أنا أكره العودة إلى المنزل، أنا فش عندي أهل، وبكرَه أبويا وأمي".

وورد في الجواب (حسب ما هو مرفق في دراسة الحالة بتاريخ 30-4-2018، وخلال متابعة المرشدة للطفلة رهف، تبين أنها تحسنت بنسبة 75%، بل وأصبحت أكثر اهتماماً بنفسها، واندمجت مع زميلاتها، كما تحسن مستواها الدراسي )

حسب التقرير أيضًا كانت رهف متعلقةً تعلقًا مرضيًا بمعلمة اللغة العربية، وكانت تهدد بالانتحار إذا انتقلت هذه المعلمة من المدرسة يومًا ما، وقد تم التواصل آنذاك مع والدتها  التي قالت: " رهف بتتدلل إلها يومين، ما بتاكل، وحاولت تؤذي حالها بشفرة وربنا ستر"، وبناء على المعلومات التي أوردتها الأم آنذاك، طلبت منها المرشدة إرسالها إلى الوحدة الإرشادية الأكثر تخصصًا لكن الأم رفضت".

شهادات مغايرة

بعرض هذه المعلومات على والدي رهف، استهجنت الأم كل ما ورد وقالت: "رهف كانت تخاف تمسك السكينة تقطع حبة بندورة، كيف بدها تقطع شريانها بشفرة؟"،  ونفت الأم أن تكون المرشدة التربوية قد تواصلت معها بأي يومٍ في أمر يخص رهف، وقالت: "لم أذهب إلى مدرسة رهف إلا مرة واحدة، كانت عندما أبلغتنا المدرسة أن رهف قد سقطت أرضًا،  وهي في الصف السابع، وأخذناها يومها لمستشفى الشفاء لتلقي العلاج.

والد رهف الذي قرأت عليه مراسلة نوى جواب التربية والتعليم عقّب يقول: "المعلومات كاذبة جملة وتفصيلًا، وإذا كنا نحن نكذب، توجهوا لزميلاتها في المدرسة، لصديقاتها في الحي، لجاراتها القريبات من قلبها".

صديقتها المقربة التي ترافقها يومياً إلى المدرسة والمسجد، أكدت أن رهف لم تكن تعاني من أي مشكلة ولم تتوجه يوماً للمرشدة التربوية، وللتحري أكثر حول حقيقة الأمر توجهت "نوى" إلى مدرسة فاطمة الزهراء التي درست بها الطفلة رهف ست سنوات دراسية قبل أن تتعسر أوضاع والدها الاقتصادية وينقلها لمدرسة فهد الصباح الحكومية.

مديرة المدرسة وتُدعى روضة الصواف، أكدت أن المدرسة بأكملها صُدمت لدى تلقيها الخبر، لافتة إلى أن رهف طفلة طبيعية، خلوقة ومهذبة، ولم يكن لها خلال فترة دراستها في المدرسة أي مشاكل تذكر مع الطالبات أو المدرسات، من المؤكد أنها لم تكن مدركة لخطورة ما أقدمت عليه، ومن المؤكد هناك خلل لكنها تنفي أن يكون في الطالبة نفسها".

هذا نفسه، هو ما أكدته مُدرِّستها أحلام أبو دلو، التي رافقتها طوال ست سنوات دراسية سبقت انتقالها لمدرسة فهد الصباح، وقالت:" البنت خلوقة، ولم يسبق أن بدر منها أي سلوك عدواني، كانت على تواصل دائم معي، وكانت طفلة ذكية وخلوقة، وذات احساس مرهف، ولم تشكُ يوماً من عائلتها"، مشيرةً إلى أن الطفلة كلمتها قبل ما يقارب  الشهر قبل الحادثة، وكانت عادية ولم تشكُ من أي شيئ".

مرّ شهر، والنيابة ما زالت تحقق في ملابسات سقوط الطالبة رهف زينو دون أي نتيجة من شـأنها أن تظهر الحقيقة الغائبة! الطفلة خرجت تنبض بالحب والفرح، وعادت إلى بيتها في كفن.. وإن كانت رهف تعاني من ضغوطات نفسية وأسرية وفقاً لرواية التربية والتعليم التي وصلت "مركز الميزان لحقوق الإنسان"، فهل كان من العدل أن يتم التعامل معها بهذه الدرجة من العنف والضغط والأذى النفسي؟ وإن كانت رهف سقطت من دون قصد، أو أسقطت نفسها عمدًا، فدمها معلقٌ في رقبة من؟

كاريكاتـــــير