ووهان:
يستعد الشاب الفلسطيني محمد أبو ناموس لحزم أمتعته ومغادرة مستشفى "ووهان" الصينية خلال أيام، حيث كان يُعالج منذ بداية شباط/ فبراير الماضي، إثر إصابته بفايروس "كورونا" المستجد، الذي توفي بسببه نحو ثلاثة آلاف إنسان، في حين لم يُكتشف له أي علاجٍ حتى الآن.
منذ عام ونصف كانت حياة الشاب أبو ناموس -وهو من بلدة جباليا شمال قطاع غزة- تسير بشكل عادي في الصين، إلى أن خرج في رحلةٍ علمية استكشافية برفقة مجموعة من الأصدقاء إلى مدينة "شينزين" جنوب الصين، لمدة 12 ساعة، حاولوا خلالها الالتزام بشروط السلامة، "لكن الازدحام الشديد في مثل هذا الوقت الذي يصادف استقبال أعياد الربيع في الصين فعل الأفاعيل" يقول.
ويروي الشاب الحاصل على منحة للدكتوراه بتخصص علم الاجتماع، وهو أب لخمسة أطفال، قصته مع الإصابة، بهدف نقل تجربته لأهل قطاع غزة، الذين "لا طاقة لهم بتحمل كارثة مثل الكورونا، بسبب ظروفهم الاقتصادية الصعبة"، مهيبًا بالفلسطينيين ألا يستهينوا بالأمر، وأن يتعاملوا معه بمنتهى الجدية.
بعد إغلاق "ووهان" إثر تفشي الفايروس، انتقل أبو ناموس وأصحابه إلى مدينة "جونزو"، حيث خضع هناك للحجر الصحي، وهناك اكتشف إصابته، لقد عانى من أعراضٍ مبدئية قوية على رأسها: الضغط في الرأس وأعلى العينين، وانتفاخٍ في الغدد الليمفاوية وتحت الأذن وتحت الإبط، وألم فوق الفك العلوي للأسنان، وسعال وعطاس شديدين، وقشعريرة.
أثناء خضوعه للعلاج ومعاناته من الألم، كان محمد يتواصل مع والدته بشكل دائم، ويخبرها أنه بخير حرصًا على صحتها، بل ويرسل لها صورًا قديمة
يقول في لقاء هاتفي مع نوى: "الفايروس خطير على الجميع، لكنه أكثر خطورة بالنسبة للمرضى بالسكر والضغط والسرطان وسيولة الدم وغيرها، ومن يتعاطون المخدرات أو الشيشة، فهؤلاء تكون مناعتهم أقل"، بالإشارة إلى أنه كلما ازدادت قوة جهاز المناعة لدى المصاب، كلما كانت فترة صموده أمام المرض أطول.
خضع الشاب الذي يُكنى بأبي بكر منذ الثاني من فبراير للحجر الصحي، وهي مرحلةٌ يصفها بالصعبة للغاية، إذ لا يمكنه خلالها رؤية الناس، أو الاختلاط بأحد، ناهيك عن واقع الغربة والاشتياق للأهل والاضطرار لإخفاء خبر الإصابة عن الأحبة، سيما والدته التي ربّته وإخوته أيتامًا، وفقدت اثنين من أبنائها شهداء، يعلق: "المرأة الفلسطينية قوية بطبيعتها، ولكن الأمر مختلف حين يتعلق بالوضع الصحي لابنها المغترب".
أثناء خضوعه للعلاج ومعاناته من الألم، كان محمد يتواصل مع والدته بشكل دائم، ويخبرها أنه بخير حرصًا على صحتها، بل ويرسل لها صورًا قديمة، إلا أن طفله حمل هاتف زوجته التي كانت تعلم بإصابته، وفتح -بالخطأ- الصور لجدته التي فهمت فورًا حاله، ما اضطره إلى التواصل معها سريعًا، وتناول أدوية تعينه على الوقوف والحديث، كي يبدو أمامها بحال أفضل.
تقسم الصين الحجر الصحي إلى ثلاث مراحل: الأولى للمشكوك بإصابتهم، والثانية للمؤكدة إصابتهم، والثالثة لمن أتموا العلاج ومدتها 14 يومًا، وخلالها يجري التأكد من سلامتهم وعدم عودة الفايروس لهم بعد توقف الدواء كما يجري مع أبو ناموس حاليًا، "بينما لكل مرحلة طواقم طبية مختلفة، وقد يستعينون بالروبوتات في المرحلة الأولى.
ينصح أبو ناموس وزارة الصحة في قطاع غزة بتخصيص مستشفى محدد لمتابعة موضوع "الكورونا"، ليتم فيه تطبيق العزل بمراحله الثلاثة، ومنح كل شخص في العزل "ترمومتير" (ميزان حرارة) لقياس درجة حرارته، وهذا يتم تطبيقه في الصين، يضيف: "العزل ليس مسألة صعبة فيكفي عمل فواصل من الجبس".
ونفت وزارة الصحة الفلسطينية في رام الله اليوم، وجود إصابات بفيروس "كورونا" في فلسطين، بينما يخضع 65 مواطنًا للحجر الصحي بسبب قدومهم من مناطق أصابها الفيروس، فيما عكفت على تدريب طواقم الإسعاف الأولي، على التعامل مع حالات الإصابة إن وُجدت، وفي غزة جهّزت وزارة الصحة غرفًا للحجر الصحي للقادمين من مناطق أصابها الفايروس.
عن تجربة العزل المستمرة مع أبو ناموس منذ شهر، يتنهد قبل أن يكمل: "كان الله في عون أسرانا في سجون الاحتلال، مرهقٌ جدًا شعور الإنسان بالوحدة، لا تضم غرفته سوى شباك صغير يطل من خلاله على العالم وقد لا يرى أحدًا"، مشددًا على أن ارتفاع الحالة المعنوية للمريض مهمة جدًا، "لأن الإرهاق النفسي والشعور بالخوف واليأس، يخفّض المناعة ويساعد على سيطرة المرض".
في المرحلة الثانية من العلاج يضع المصابون الكمامة على مدار الساعة، بل وينامون فيها "وهي من نوع N9.5"، "على أن يتم تغييرها بشكل يومي وإتلافها تجنبًا لإعادة تدويرها واستخدامها من جديد" يكمل.
في ووهان المصابة بالمرض لا يستطيع الناس النزول إلى الشارع إلا لمرة أو مرتين يوميًا، مبينًا أن تجربة الصين في مكافحة الفايروس" قوية جدًا "فهم يعتمدون التكنولوجيا للتواصل بين الناس والطواقم الطبية، عبر برنامج "الوي شات" وهو يشبه الواتس أب، يربط كل طاقمٍ طبي بمجموعة عمارات سكنية، ليتم التواصل بين سكانها والطاقم، "وعند ملاحظة أي رب أسرة لأي تغيير على أحد الأفراد، فورًا يتواصل مع الطاقم لتبليغه".
تجربة الصين في مكافحة الفايروس" قوية جدًا "فهم يعتمدون التكنولوجيا للتواصل بين الناس والطواقم الطبية، عبر برنامج "الوي شات"
عبر الكاميرا تستطيع الطواقم الطبية تحديد الحالة، وإن تأكدت الإصابة يتم نقل المصاب فورًا وتعقيم الطوابق التي تقع أسفل طابقه ومنع العمارة كلها من استخدام الصرف الصحي في هذا اليوم، حتى إتمام عملية التعقيم، كما أن هناك متابعة مستمرة من قبل الطيران لمن يخرجون دون كمامات، خاصة وأن كل شوارع الصين تنتشر فيها الكاميرات، "الحياة شبه ساكنة ولكن تدريجيًا تعود الناس لطبيعتها".
يؤمن أبو ناموس أن المواطن أيضًا يجب أن يكون مسؤولًا عن سلامته تمامًا كما الحكومة، وينصح بضرورة الحرص على تناول الفواكه، وخاصة الحمضيات وشرب السوائل بكميات كبيرة، وترك الشيشة (النرجيلة)، والحرص على النظافة الشخصية دومًا، وشرب الزهورات، واستخدام المطهرات وطهو اللحوم جيدًا، وألا يتعامل الناس بمزاح واستهتار مع المرض فهو خطير، "وبالنسبة للطواقم الطبية عليها مراعاة الحالة النفسية للمصاب والتعامل معه برفق واحترام" يعقّب.
يتحدث أبو ناموس عن نحو 33 عَرَضًا صحيًا يعانيها المصاب بالكورونا، وقد بدأ بكتابة بحث علمي بهذا الشأن رغم خضوعه للعلاج حتى الآن، وحرص على ذكرها كلها "وهي إضافة للأعراض السابقة الذكر، ارتفاع درجة الحرارة قبل العلاج، وهناك أشخاص لم يعانوا من ارتفاع الحرارة ولكن تبين إصابتهم بالمرض أيضًا".
يضيف في سياق حديثه عن الأعراض: "آلام حادة في الجبهة والنصف العلوي من الرأس، وضيق في التنفس في بادئ الأمر يتطور إلى اختناق لاحقًا، والتهاب الأحبال الصوتية وضعف القدرة على الكلام، وبحة في الصوت، بالإضافة إلى سعال متواصل يرافقه العطاس، وجرح الحنجرة وجفاف الجلد وتساقط الشعر، وظهور الشيب وتلوّن الشعرة الواحدة بلونين الأسود والأبيض، ناهيك عن آلام في المعدة، وتلبك معوي وإسهال وبراز قاتم وبول ذو رائحة سيئة"، متابعًا: "يعاني المصاب بألم في الأكتاف والرقبة، وفي اللثة والأسنان، وآلام في الركبتين، وشعور بعدم القدرة على الوقوف، وإحساس بالرغبة في التقيؤ، وغبارٍ في الأنف، عوضًا عن آلام في الحوض والمثانة".
ويبين أنه وبعد وصول الفايروس إلى الرئة يشعر المصاب وكأن مسمارًا ينغرس في الصدر، مع وخزاتٍ حادة وشعورٍ بالإعياء والإغماء، وآلام العظام والقفص الصدري والقلب، وظهور علامات حمراء على الجلد وارتجاج في الأصابع.
أما الأطعمة التي يتناولها المصابون، فهي تلك التي تقوّي جهاز المناعة وتحتوي على فيتامين C وذكر منها: الخضراوات والفواكه وأنواع الحساء المختلفة، مشددًا على أهمية شرب كميات كبيرة من الماء الدافئ، لأن الفايروس متعبٌ للكبد والكلى، بالتالي هناك حاجة شديدة لتعويض المياه، والتركيز على الليمون والبصل والثوم، والكيوي والبرتقال والتركيز على الغرغرة، مع منع الأطعمة التي تحتوي على أحماض ومياه غازية.
الصور من صفحة أبو ناموس على الفيس بوك
فحص حرارة المارة في الأماكن العامة

أبو ناموس أثناء مرحلة العلاج









الطواقم الطبية المشرفة على المرضى


























