شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 03 يوليو 2026م05:36 بتوقيت القدس

الربّاع العتيق "أبو طارق".. يتحدّى شيبَ السبعين بالرياضة

12 ديسمبر 2019 - 11:08

شبكة نوى، فلسطينيات: غزة ــ محمد وهبة

يصلبُ "علي النونو" ذو السبعين عامًا ظهرَهُ المستقيم أمام ستة شبان معلنًا بدء تمارين اللياقة البدنية. داخلَ الأكاديمية المُسماة باسمه في نادي فلسطين الرياضي غرب مدينة غزة، بدَت علامات التعجّب واضحةً على مُحيّا أحد الملتحقين الجُدُد.

يقترب الشاب من صديقٍ ويهمس في أذنه بصوت خافت: "كيف هالختيار رح يدربنا؟" فيردُّ عليه بصوتٍ شبه مسموع: "استنى، راح تشوف".

بالقفز من أسفل إلى أعلى، يمينًا ويسارًا، طلب علي ويُكنى "أبو طارق" من الشباب مشاركته تمارين الإحماء مع شهيقٍ عميقٍ وزفير، ثم انتقل إلى تمارين المرونة والخصر.

أثناء ممارستهم لتمارين القرفصاء، والتوازن بالوقوف على ساقٍ واحدة، سأل شابٌ بعد أن التقط أنفاسه عن أهمية هذا التمرين، ليجيبه المدرس الذي لم يشُب صوته لهثٌ أو تعب: "هذا تمرينٌ ممتاز لحرق السعرات الحرارية، كما أن  الضغط يعمل على تقوية عضلات الصدر".

آثر المدرِّبُ بعد كثرة الاستفسارات تقديمَ فوائد كل تمرين قبل البدء به، رُغم ذلك رفع فضوليٌ رأسه وسأل: "هذه المعلومات تعرفُها من خلال الممارسة؟"، ليبتسم المدرِّبُ الودود ويعلن أمام كثيرين ممن لم يكونوا يعرفون هذه المعلومة عنه: "لا، أنا حاصلٌ على دبلوم رفع الأثقال واللياقة البدنية من جامعة كييف بأوكرانيا عام 1995م".

بُعيد مرور 35 دقيقة على بدء التمارين البدنية، وبينما كان "النونو" يواصل تمرين قفزة القرفصاء، ألقى الملتحقُ الجديد ابن الـ (26 عامًا) ظهره على الأرض معلِّقًا نظره بسقف الغرفة في محاولةٍ لالتقاط النفَس.

اتجه برأسه ناحية المدرب، وقال :"إنت متأكد إنو عمرك 75 سنة؟". الرجل السبعيني غالبه الضحك فردَّ عليه :"السر بما تفعله أنت الآن، لا أتخيل أن يمر علي يومٌ دون رياضة، صدقني لن تشعر بعمرك ما دمت مستمرًا بممارستها".

ذكريات الطفولة

بعد أن استحم بمياهٍ باردةٍ داخل حمامات "الجيم" (النادي)، ركبَ دراجته الهوائية التي تشاركه العمر منذ أن أصبح يافعًا.

هذه الدرّاجة هي وسيلة نقله لقضاء كل مشاويره مهما بعُدَت مسافتها، لكنه هذه المرة اتجه إلى حيث نادي غزّة الرياضي القريب ليلتقي أصدقائه المنتظرين على طاولة لعب "الزهر".

على مقربةٍ منهم كان ثلاثة أطفالٍ يلعبون كرة القدم، نظر "أبو طارق" إلى أحدهم، ثم أشار بسبابته نحوه مخاطبًا أصحابه الذين يتشارك معهم ذكريات الصبا: "تقريبًا كنت بعمر هاد الصبي، لما تعرفت على صديق كان يحمل الأثقال.. هو اللي أقنعني فيها، وحكالي يومها: هادي هي الرياضة الحقيقية اللي بتصنع أبطال".

في نفس المكان الذي كان يجلس فيه بنفس النادي التحق بأولى دورات كمال الأجسام قبل عشرات السنين، حين كانت أولى تحدّياته الفائزة ضمن دوري الكاراتيه عندما كان صبيًا بوزن 45 كيلو جرامًا.

صديقٌ سرق من فمه الكلام ضاحكًا بفخر: "أذكر أنك بعد الانتظام بالتمارين لعدة شهور، حصلت على المركز الأول في بطولة رفع الأثقال للفريق الثاني، ثم دخلت بعدها بفترة تصفيات قطاع غزة في رفع الأثقال وحصلتَ على المركز الأول أيضًا". شارَكَ النونو بعدها ببطولة فلسطين التي حصل فيها على القلادة الذهبية في وزن الديك (56 كيلو جرام)، ليصبح ممثلًا لفلسطين في دورة الصداقة الآسيوية في الصين، بالإضافة للدورة العربية الرابعة عام 1965م.

رباع فلسطين

بعد المغيب، عادَ الرجل إلى بيته ودخَلَ غرفته، "أصدقاء الهنا" حركوا في قلبه مشاعر الحنين لأيام الصبا على ما يبدو.

أمسك "رباع فلسطين" القديم بيده اليُمنى "خِرقةً" يمسح بها الغبار الذي علا سطح العديد من "البراويز" التي تضم صور أمجاده وبطولاته، بالإضافة للميداليات التي استطاع حصدها خلال المشاركات المحلية والعربية والدولية سواء كلاعب أو مدرّب. والربّاع: لفظٌ رياضيٌ يطلق على ممارسي رياضة رفع الأثقال عادة.

يحضُرُ حفيده ليساعده، ويمسك صورةً له بالأبيض والأسود يرفع فيها الأثقال، فيسأله: "في أي سنة يا سيدي كانت هاي؟"، لينظر إليها جده ويجيب: "عام 1966م، وقتما تحقق حلمي بالانضمام للمنتخب المشارك في بطولة آسيا بكمبوديا، وحصلت حينها على المركز الرابع بعد الصين وكوريا".

الصور المعلقة على الحائط وثّقت تحطيم النونو لأرقامٍ عربيةٍ متقدمة في رفعة النثر ورفعة الخطف عام 1967م، كما سجلَت تاريخ مشاركاته كمدرب في الدورات الرياضية العربية المختلفة، وقيادته لمنتخب فلسطين في دورة الحسين بعمان عام 1999م، ناهيك عن قيادته لفريق القوة البدنية المشارك في بطولة شهداء الأقصى بمصر، وحصوله على المركز الثاني عربياً، بحصدهم لأربع ميداليات فضية، وثلاث برونزية.

يربّت الجد على كتف حفيده الذي كان يتأمل الصور بنظرات فخر، ويهمس في أذنه :"خلي الرياضة يا سيدي في حياتك متل الأكل والشرب، مارسها باستمرار ولو لدقايق كل يوم، المهم إنك تستمر، وصدقني، عمرك ما بتزور طبيب".

 

     

كاريكاتـــــير