شبكة نوى، فلسطينيات: هدى بارود:
انتهت جولة العدوان الأخيرة على قطاع غزة يوم الجمعة 15 تشرين الثاني، وأعادَ القطاع نفضَ غبار الخوف عنه في اليوم التالي، فزُينَت ساعات الصباح الباكر من يوم السبت بطلاب المدارس الذينَ قصدوها بعدَ غيابٍ قسري لأربعة أيامٍ متواصلة عن مقاعد الدراسة، وانطلقت أبواق السيارات والحافلات المدرسية تخترق كعادتها سكون الصباح.
على استحياء فتحت بعض المحلات في شارع الرمال أبوابها متأخرةً بعض الشيء عن الباعة المتجولين الذينَ صفوا بضائعهم على الرصيف والتهوا بأحاديثهم المختلفة عن فترة العدوان والقصف الإسرائيلي والشهداء وردود المقاومة الفلسطينية.
بائعو المشروبات الساخنة والدخان أعادوا تواجدهم في شوارع مدينة غزة وعند الإشارات في مفترقات الشوارع الرئيسية بترتيبٍ كأنما يملك كل منهم المتر الذي يقف عنده ساعات طويلة من النهار، وانتشرت أمامهم شرطة المرور تمارس مهامها كعادتها.
تباعًا مرت الأيام برتابةٍ اعتيادية استردَ فيه القطاع عافيته، وعادت الحياة إلى سابق عهدها، تشغل الناس أحاديث كثيرة غير الدمار الذي خلفته أصوات الصواريخ، وتتابع الصحف والمواقع الإخبارية ملْ صفحاتها بأخبارٍ متوقعة وقديمةٍ مُحدثة ويعرفها الكثيرون، فيما غابت تدريجيًا صورة الشهداء والمنازل المدمرة وأهالي الضحايا من الواجهة، وتراجع الحديث عن عائلة السواركة التي قضى فيها 9 أبرياء نتيجة مجزرة إسرائيلية بررها الاحتلال بـ"الخطأ غير المقصود".
بينَ محافظات القطاع الخمس تابعت "نوى" مظاهر الحياة التي عادت لطبيعتها دونَ أن يكدرَ صفوها حدثٌ جلل، وفي موقف السيارات بمدينة رفح وقفت الطالبة الجامعية سارة أبو عرمانة تتهيأ لركوب سيارةٍ تقلها إلى جامعتها في مدينة غزة.
قالت لـ"نوى" منذ انتهاء العدوان الأخير وأنا أسمع في السيارة التي تقطع الطريق الطويل بينَ جنوب القطاع وشماله الكثير من الأحاديث، تختلف من سائقٍ لآخر، غيرَ أن المُعتاد هو تنوعها ما بين سياسية واجتماعية ودينية، والغريب إنني لم أسمع منذ فترة طويلة مغامرات السائقين أثناء عملهم في الأراضي المحتلة التي كان يتغنى بها البعض، وأظن أن الحديث عن العمل تحتَ إدارة الاحتلال باتَ عارًا على صاحبه، فامتنعوا عن تداول القصص عن تلكَ الفترة".
في شارع القسام الذي يكتظ بمحلاته التجارية فتحت جميعها أبوابها، وجلسَ أصحابها على عتباتها مع ساعات العصر بعضهم يستقبل الزبائن والآخر ينظر إلى حركة الناس المتفاوتة سرعةً وعددًا دونَ أن ينادي بالمارة أن يدخلوا المحل لرؤية البضائع الجديدة والمميزة.
عبد الرحمان حمدان بائعٌ خمسيني كان يجلس صامتًا أمام محله التجاري في شارع القسام، قطعه سؤالنا عن شكل الحياة بعدَ أسبوعٍ من انتهاء العدوان، وبلا تردد أجاب "عادَ شكل الحياة في غزة إلى سابق عهده"، مستدركًا "الشكل الاعتيادي لغزة غير طبيعي بالمناسبة إن الأسواق راكدة منذ سنواتٍ، حتى مواسم البيع والشراء لم تعد بذلك الزخم السابق".
واصلَ الرجل حديثه عن المشكلات الاقتصادية التي واجهها وزملائه التجار على مدار السنوات الماضية من إغلاق المعابر واحتجاز الاحتلال لبضائعهم حتى تلفها، والضرائب التي يدفعونها مضاعفة لثلاث جهاتٍ مختلفة، وعن أجرة المحلات التي باتوا غير قادرين على دفعها، وعن تأثير أزمة الكهرباء، مشاكلٌ لفتَ سردها جيرانه الجالسين أمام محلاتهم فشاركوه الحديث مؤيدين.
في محيط الجامعات غربَ مدينة غزة كانت حركة الطلبة سريعة ونشيطة، والمكان يزدحم بالسيارات والمارة، وأبواب الجامعات تشهد خُطى المئات يوميًا، يتوقف بعض الطلبة أمامها يتبادلون الأحاديث السريعة ثم يواصلون طريقهم مغادرينَ أو واصلين.
لا يختلف إيقاع الحركة في مدينة غزة عنه في شارع الترنس بمخيم جباليا شمالَ القطاع، حيث انتشرت بسطات الخضار والفواكه، وعُلقت الملابس في الهواء الطلق تحتَ ظلالٍ من الأقمشة الغامقة المثبتة على أعمدة من المعدن على شكل حرف U، يستقبل فيه البائع زبائنه كأنه داخل محل من الحجارة.
لم تأخد غزة الكثير من الوقت لاسترداد عافيتها بعدَ 79 صاروخاً سقطوا فوقَ رأسها على مدار أربعة أيامٍ متواصلة وفقَ رصد المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، ويبدو أن القطاع اعتادَ النهوض بعدَ كل ضربةٍ موجعة مُكابرًا، يدّعي أنه بخير.
























