"لم يبقَ إلا أن أعرض كليتي للبيع لتوفير الرسوم الدراسية في كلية الطب لابنتي"، بهذه الكلمات تحدث الأستاذ واكد أبو عقيلان واصفًا الأزمة المالية الخانقة التي بات يعاني منها موظفون وموظفات بالسلطة الفلسطينية في غزة والذين طبّقت عليهم الحكومة الفلسطينية السابقة التقاعد المالي قسرًا.
يقول الأستاذ واكد وهو موظف بوزارة التربية والتعليم منذ 32 عامًا مديرًا لمدرسة :"منذ عام 2008 التزمنا بالشرعية، لكن الحكومة طبّقت علينا التقاعد المالي منذ شهر سبتمبر 2017"، موضحًا إن هذا التقاعد يعني ألا تدفع الحكومة الفلسطينية حصة الموظف في صندوق التأمين والمعاشات.
وفق بيان للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان صدر في 7 أغسطس/ آب 2017، فإن الحكومة الوفاق الوطني- الحكومة السابقة برئاسة رامي الحمد الله- أحالت 6145 موظفة وموظف في قطاع غزة إلى التقاعد المبكر، مؤكدة تعارض هذه الخطوة مع صلاحيات مجلس الوزراء، وعدّته أحد أشكال العقوبات الجماعية.
الهيئة المستقلة: حكومة الوفاق أحالت نحو 6145 موظفة وموظف من قطاع غزة إلى التقاعد المالي
عودة إلى الأستاذ أبو عقيلان الذي يتساءل :"فعلوا ذلك بحجة دفع حماس للمصالحة، فهل صندوق التأمين والمعاشات مموِلًا لحماس؟ هذا الادعاء غير منطقي وغير قانوني، هناك عقد عمل بيننا، فعندما تخالف الحكومة القانون لمن نشتكي؟".
أكثر ما يثير القلق في نفس أبو عقيلان هو عجزه عن دفع الرسوم الجامعية لابنته التي تدرس طب في جامعة الأزهر، وهي من أوائل الطلبة، فاثنين من أشقائها درسوا الطب وثالثهم الهندسة، ووالدها يصرّ على حق ابنته في دراسة الطب، لكن كيف يتدبر الأب شؤونه مادام يحصل على نصف راتب بالكاد يكفي احتياجات البيت الرئيسية.
شبكة نوى، فلسطينيات: أبو عقيلان:فعلوا ذلك بحجة دفع حماس للمصالحة، فهل صندوق التأمين والمعاشات مموِلًا لحماس
الواقع الصعب الذي بات يعانيه المتقاعدون والمتقاعدات ماليًا دفعهم للتشاور حول حملة ضغط تعيد لهم حقوقهم، فأكثر من عامين من الظلم كافٍ ليتأكدوا أن القضية ليست "على بال المسؤولين"، تشاور مجموعة منهم وقرروا كخطوة أولى تنفيذ حملة مناصرة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان #يسقط_التقاعد_المالي .
شيرين الكيالي: غالبية من تم إحالتهم للتقاعد المالي هم في أواخر الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، أي في قمة خبرتهم وعطائهم
الأستاذة شيرين الكيالي واحدة ممن ينشطوا في هذا الحراك المطلبي، تقول :"أطلق الحملة مجموعة من المتضررين والمتضررات من هذا القرار الظالم وغالبيتهم من وزراتي التربية والتعليم والصحة، وبعض الوزارات والجهات الأخرى".
"غالبية من تم إحالتهم للتقاعد المالي هم في أواخر الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، أي في قمة خبرتهم وعطائهم"، تقول الكيالي التي تتساءل كيف سيكون واقعهم النفسي بسبب هذه الخطوة المخالِفة لقانون الخدمة المدنية وهو الفيصل في علاقة الموظف بالحكومة.
كانت الكيالي تعمل في وزارة التربية والتعليم، وتم نقلها منذ عام إلى التعليم في المعاهد الأزهرية، خاطبت رئيس الوزراء السابق حينها عبر ديوان الموظفين وبالتسلسل القانوني حول رفع التقاعد المالي عنها، لكن كما تؤكد :"يبدو أن هذا الملف أُغلق ولم يستجب أحد".
"موظفون وموظفات على رأس عملهم بعضهم يتلقى نصف راتب وبعضهم أقل، هناك من يسكن بالإيجار وقد أصبح مديونًا وهناك من لديه أبناء بالجامعة اضطر لإيقاف تعليمهم وهناك من عليهم قروض للبنك تأكل ما تبقى من راتب، كل هذا بسبب التقاعد المالي" تقول الكيالي.
"أشعر بالتقصير تجاه أبنائي الثلاثة، لم تعد قدرتي على تغطية احتياجاتهم كما السابق، أنا موظفة منذ 21 عامًا وما زلت في قمة العطاء"، تقول الكيالي مضيفة إن هناك من يعانون ظروفًا أشد صعوبة وهو ما دفعهم لرفع الصوت مطالبين بإنصافهم.
منسق حملة #يسقط_التقاعد_المالي صالح ساق الله وهو عضو إقليم شرق غزة في حركة فتح، ليس من المتضررين ولكنه قاد الحراك باعتباره مطلبي عادل، ويؤكد إن القضية منذ عام 2017 تراوح مكانها وهو ما تطلب تحرّك فاعل لوقف هذا الظلم على الموظفين والموظفات، مطالبًا بالمساواة بين موظفي الوطن في المحافظات الشمالية والجنوبية.
ساق الله: الحراك سيتواصل حتى نيل الموظفين والموظفات حقوقهم
ويضيف إن الهاشتاج هو خطوة أولى سيتبعه خطوات لاحقة على الأرض ومنها إضرابات مؤقتة وتعليق عمل، وذلك بالتنسيق مع المكتب الحركي للأطباء ونقابة المعلمين، وهي خطوات ستتواصل حتى نيل الجميع لحقوقهم، مطالبًا بمحاكمة رئيس الحكومة السابق قانونيًا وشعبيًا.
وأكد ساق الله أنهم عملوا بالتشبيك مع النقابات بغرض تحريك الملف والتأثير على صنّاع القرار لوضع حد لهذه المظلمة، لما فيه من مخالفة للقانون، ووجه رسالة لرئيس الوزراء الحالي محمد اشتيه بضرورة إنصاف الموظفين.
وتداول المغرّدون والمغرّدات بيانات حول أعداد من تم إحالتهم إلى التقاعد ومنها 1950 موظفة وموظف من وزارة الصحة بينهم 500 طبيب و 3050 من وزارة التربية والتعليم، و95 من سلطة الطاقة، 650 من وزارة المالية، 350 من كوادر مطار غزة.
ويمثل إحالة الموظفين للتقاعد المالي مخالفة لما جاء في المادة (101) من قانون الخدمة المدنية والذي يبين أن إحالة الموظف للتقاعد المبكر يكون في حالتين، إما بطلب الموظف نفسه، أو كعقوبة تأديبية، حسب بيان الهيئة الصادر عام 2017.
ومع تولي الحكومة الفلسطينية الجديدة، خاطبت الهيئة الفلسطينية لحقوق الإنسان"ديوان المظالم"
الدكتور محمد اشتية رئيس مجلس الوزراء بخصوص الموظفين المحالين على التقاعد قسراً، وطالبت بتشكيل لجنة لإعادة النظر في كافة قرارات التقاعد القسري وتصحيح أوضاع من يثبت وجوب مخالفات في قرار إحالته على التقاعد.

























