خمسون يومًا فقط كانت كل ما عرفه محمد الخطيب من الحياة؛ أيام قضاها بين أحضان والدته التي حاولت حمايته من الجوع والنزوح والخوف الذي يلاحق سكان قطاع غزة منذ أشهر طويلة. لكن الحرب التي أحاطت بميلاده منذ اللحظة الأولى، وصلت إليه أخيرًا داخل خيمة نزوح في مواصي خان يونس، عندما استهدفت غارة إسرائيلية المكان الذي احتمت به العائلة، فاستشهدت والدته وأصيب هو بجروح بالغة غيّرت مسار حياته قبل أن يبلغ شهره الثاني.
في تلك اللحظة، كانت الأم تُرضع طفلها داخل الخيمة التي أقامتها العائلة في منطقة المواصي جنوب قطاع غزة، حين استهدفت غارة إسرائيلية الخيمة وأخرى مجاورة. أصيبت الأم بشظية اخترقت قلبها، لتفارق الحياة على الفور، بينما أصابت الشظايا رضيعها محمد، متسببة بإصابة خطيرة في قدمه استدعت بترها، إضافة إلى جروح بالغة في إحدى يديه لا تزال تهدد بفقدانها.
يقول أحمد الخطيب، والد الطفل، إن العائلة لجأت إلى المواصي باعتبارها منطقة يُفترض أنها آمنة، بعد سلسلة من عمليات النزوح التي عاشتها منذ بداية الحرب. إلا أن القصف الذي طال المكان حوّل حياة الأسرة إلى مأساة جديدة، تاركًا الأب وحيدًا في مواجهة فقدان زوجته ورعاية طفليه الصغيرين.
ولا تقتصر معاناة الأب على متابعة الحالة الصحية الحرجة لرضيعه، بل تمتد إلى محاولة احتواء حزن شقيقه الأكبر، البالغ من العمر عامين ونصف العام، والذي ما زال يفتقد والدته ويسأل عنها باستمرار، ويقول الخطيب إنه يجد نفسه عاجزًا عن الإجابة عن أسئلة طفله أو تعويض غياب الأم التي كانت تشكل مركز حياة الأسرة.
ويرقد محمد اليوم في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، حيث يتلقى العلاج وسط إمكانات طبية محدودة وضغط متزايد على المنظومة الصحية في القطاع. ويخشى والده من تدهور حالته وفقدان يده المصابة إذا لم يتمكن من الحصول على علاج متخصص خارج غزة في أسرع وقت ممكن.
ويوجه الخطيب نداءً إلى المؤسسات الدولية والجهات المعنية للتدخل العاجل من أجل إجلاء طفله للعلاج، مؤكدًا أن الوقت عامل حاسم في إنقاذ ما تبقى من أطرافه ومنحه فرصة لحياة أقل قسوة مما فرضته عليه الحرب منذ أيامه الأولى.
من جانبه، يقول مدير قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي الدكتور أحمد الفرا إن حالة محمد تمثل واحدة من آلاف الحالات التي تحتاج إلى تدخل طبي عاجل خارج القطاع، في ظل محدودية الإمكانات المتاحة واستمرار تدفق المصابين والمرضى إلى المستشفيات.
ويوضح الفرا أن نحو 22 ألف مريض وجريح ينتظرون التحويل للعلاج، من بينهم 5600 طفل، فيما يحتاج قرابة 500 طفل إلى سفر عاجل لتلقي الرعاية الطبية المتخصصة. ورغم ذلك، لم يتمكن سوى عدد محدود من الأطفال من مغادرة القطاع للعلاج منذ بدء الحرب.
اليوم، ينتظر محمد سريرًا للعلاج خارج حدود القطاع، وبينما يحاول والده التوفيق بين رعاية طفليه ومواجهة خسارته الشخصية، تتواصل فصول معاناة بدأت بلحظة قصف ولم تنتهِ بعد، وفي وقت تتراكم فيه طلبات السفر للعلاج، يبقى مصير محمد وآلاف الأطفال المرضى والجرحى معلقًا على قرارات قد تحدد ما إذا كانت إصاباتهم ستصبح ذكرى مؤلمة أم إعاقة ترافقهم مدى الحياة.

























