تتعالى أصوات الزوار في فناء بيت الداية التاريخي بمدينة غزة، بينما تتنقل عدسات الهواتف بين الأقواس الحجرية والدرج العتيق لتوثيق تفاصيل المكان، يخوضون تجربة تعيدهم قرونًا إلى الوراء داخل واحد من أبرز البيوت الأثرية التي نجت من حرب الإبادة.
وفي محاولة للجمع بين الحفاظ على التراث وإعادة الحياة إلى البلدة القديمة، افتُتح مطعم "سكوب" داخل البيت التاريخي، محولًا أحد المعالم الأثرية إلى مساحة تنبض بالحياة تستقطب الزوار من مختلف مناطق القطاع، ممن يبحثون عن تجربة تجمع بين عبق الماضي وتفاصيل الحاضر.
يقول مدير مطعم "سكوب" أحمد أبو القمبز لـ نوى إن فكرة المشروع جاءت ضمن رؤية مختلفة تقوم على افتتاح مطعم داخل مبنى أثري، بما يوفر للزائر تجربة بصرية ومكانية متكاملة، بعيدًا عن النمط التقليدي للمطاعم الحديثة في قطاع غزة، مع الحفاظ على الهوية الثقافية والتراثية للمكان.

ويضيف :" الطابع المعماري للبيت يمنح الزائر تجربة استثنائية، تجعل تفاصيل البناء جزءًا من هوية المطعم، موضحًا أن المبنى يتميز بحجارته الرملية القديمة وأقواسه الداخلية، ويتكون من طابقين يضمان أربع غرف سفلية وغرفتين علويتين".
ويعود تاريخ بناء بيت الداية إلى أكثر من 400 عام خلال الحقبة العثمانية، فيما تعود أجزاء منه إلى الحقبة المملوكية قبل نحو 600 عام. وتبلغ مساحته الإجمالية نحو 750 مترًا مربعًا، وتزين جدرانه زخارف هندسية ونباتية تعكس قيمته التاريخية والمعمارية.
ويؤكد أبو القمبز أن الهدف من المشروع يتمثل في إبراز الوجه الحضاري لغزة، وإظهار أنها ما زالت تحتضن أماكن جميلة تستحق الزيارة رغم ما مرت به من ظروف قاسية خلال السنوات الأخيرة.
وحول أبرز التحديات، يوضح أن ترميم المبنى والحفاظ على هويته الأصلية شكّل تحديًا كبيرًا في ظل نقص الموارد وصعوبة توفير المواد اللازمة لأعمال الصيانة والترميم. كما أن الوصول إلى المطعم لم يعد بالسهولة التي كان عليها سابقًا بسبب تعثر حركة المواصلات بين مناطق القطاع، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمبنى نتيجة الشظايا خلال الحرب.

ويشير إلى أن المطعم بات يستقطب زوارًا من مناطق مختلفة، ليس فقط لتناول الطعام، وإنما أيضًا للتعرف إلى الطابع المعماري للمكان والتقاط الصور داخله، لافتًا إلى أن الإقبال ازداد خلال الفترة الأخيرة، خاصة في ساعات المساء التي أعادت شيئًا من الحيوية إلى البلدة القديمة.
ويقول: "رسالتنا أن غزة ما زالت باقية، وفيها أماكن تستحق أن تُرى وتُعاش، كان هذا المشروع تحديًا كبيرًا، لكننا نجحنا في تحويله إلى مساحة نابضة بالحياة".
ويُعد بيت الداية ثاني أكبر القصور الأثرية الثلاثة في قطاع غزة من حيث مساحة البناء والفناء، كما أنه من المباني التاريخية القليلة التي نجت من الدمار الذي طال عددًا من المعالم الأثرية خلال الحرب، بعد تعرض العديد من المباني التراثية للتدمير أو الأضرار الجسيمة.
من جانبه، يؤكد خبير واستشاري ترميم المباني الأثرية الدكتور سليمان هاشم أن البيوت التاريخية تؤدي دورًا مهمًا في حفظ الذاكرة الفلسطينية، مشيرًا إلى أن المباني العثمانية والمملوكية في غزة تشكل شاهدًا ماديًا على عمق الوجود العربي والإسلامي في هذه الأرض.
ويضيف أن تشغيل البيوت الأثرية كمشاريع ثقافية أو سياحية يسهم في الحفاظ عليها، لأن هذه المباني تحتاج إلى صيانة وترميم مستمرين، وإهمالها يؤدي مع مرور الوقت إلى تشققات وضعف في بنيتها الإنشائية.

ويرى هاشم أن تحويل البيوت التاريخية إلى مطاعم أو مشاريع ثقافية لا ينتقص من قيمتها، بل يساهم في إحيائها وربط المواطنين بها، ويعزز الوعي بأهمية الحفاظ على التراث العمراني الفلسطيني.
ويشير إلى أن هذا النوع من المشاريع ينعش المباني الأثرية ويمنحها حياة جديدة، فكلما ازداد الاهتمام بالمكان وزادت حركة الزوار داخله، تعزز حضوره في الوعي الجمعي وحُفظت قيمته التاريخية للأجيال القادمة.
ويؤكد أن بيت الداية كان يُعرف قبل الحرب بأنه أحد أجمل البيوت الأثرية في قطاع غزة، وأن إعادة افتتاحه اليوم تمثل رسالة صمود في وجه محاولات طمس التاريخ والهوية الفلسطينية.
وتؤكد سهاد صبيح، إحدى رواد البيت، أنها المرة الأولى التي تدخل فيها إلى مطعم بطابع تراثي قديم، الحجارة الرملية، والقطع الأثرية، والفناء الواسع الذي تتوسطه بركة ماء صغيرة وتحيط به نباتات النعنع والريحان، كلها منحتني شعور بالراحة والهدوء".
وتضيف: "تملكتني الفرحة والدهشة حين جلست في الرواق بطابعه الدمشقي والعثماني، وشعرت وكأنني داخل أحد البيوت التي كنا نشاهدها في المسلسلات السورية القديمة".
وترى أن تجربة الجلوس داخل البيت الأثري تجمع بين الماضي والحاضر في مساحة واحدة، وتمنح الزائر فرصة للتأمل واستعادة شيء من السكينة التي افتقدها كثيرون خلال الحرب.
وتختم "حينما يخطو الشخص إلى هذا المكان يتوقف ليتأمل هندسته المعمارية وتفاصيله القديمة، ويشعر وكأنه يعيش جزءًا من تاريخ طويل، رغم كل ما خلفته الحرب من فقدان ودمار، ما زالت هناك أماكن تمنحنا شعورًا بالحياة والأمل".
























