شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 14 يونيو 2026م14:10 بتوقيت القدس

خطوط الموت المتحركة.. "الأصفر والبرتقالي" مصائد تبتلع غزة

11 يونيو 2026 - 20:22

مع إشراقة كل صباح، يخرج محمود عاشور (38 عاماً) من منزله الآيل للسقوط بمنطقة السطر الشرقي شرق مدينة خان يونس، باحثاً عن الطعام وسبل الحصول على المياه. وخلال جولته اليومية، لا يغفل عن باله تفقّد حال المكان الذي ينزح فيه منذ أشهر؛ خوفاً من أن يزحف المكعب الأصفر القريب منه أكثر باتجاه الغرب، نحو خيام النازحين، مُنذراً بخطر داهم يتهدد حياتهم.

بنبرة ترقب حذرة، يروي عاشور: "فوجئنا قبل عدة أيام بدخول آليات إسرائيلية إلى المنطقة وقرّبت المكعبات نحونا، ومن حينها زاد الخطر في هذه المنطقة التي تُصنَّف في الخرائط على أنها آمنة".

ويُضيف لـ"نوى": "نحن لا نعرف حدود المناطق المحظورة، ولا ما الذي يفصل بين الخط الأصفر والمناطق التي تُسمى بالآمنة. الناس هنا تعيش على الشائعات والاجتهادات الشخصية، وكلها قاتلة".

ليس ببعيد عن عاشور، يقف خالد الرقب (33 عاماً) خلف بسطته للخضروات، لكنه يترقب في كل لحظة توسعة الخط الأصفر، استناداً إلى تصريحات تكشف نية الاحتلال قضم مزيد من أراضي القطاع.

يقول الرقب لـ"نوى": "في كل يوم نُفاجأ بإطلاق نار قريب منا، ونحاول أن نتماسك ونعيش، لأنه لا مكان بديل لدينا". ويزيد قلقه ما يُتداول عن "الخط البرتقالي"، إذ يقول: "لا نعرف ماهية حدوده ونقاطه، وحتى لو عرفنا، فالاحتلال لا يلتزم بأي اتفاق أو وعد بوجود منطقة آمنة، على غرار ما كان يدّعيه عن منطقة المواصي".

ويصف الرقب حالة الضبابية التي يعيشها: "المنطقة التي مررت منها قبل عدة أيام باتت الآن خطرة تماماً، والشارع الذي أسلكه يومياً قد يصبح غداً محظوراً، ولا أحد يعرف من أين يبدأ الخط الجديد وأين ينتهي". ويُضيف بحسرة: "كنا ننتظر أخبار انسحاب كلي من القطاع، لكن الواقع أن المناطق الشرقية جميعها من خان يونس باتت في عداد المناطق المحظورة".

يقطن عاشور والرقب، كسائر النازحين الذين أجبرتهم ظروف الحرب على العيش بجوار هذه الخطوط، بين لونين مُبهمَين تتسع بينهما فجوة الخوف والترقب، في ظل نزوح طال أمده وموت بات أقرب مما يمكن تصوّره.

خلال الأشهر الماضية، ضجّت أحاديث السكان والنازحين في مناطق شرق القطاع وشماله بالحديث عن توسعة ما يُعرف بالخطوط العسكرية الإسرائيلية التي تُحدد مناطق يُحظر الاقتراب منها أو المرور عبرها. وأشار كثيرون إلى تغيّر مواقع المكعبات الصفراء بصورة متكررة، مما خلق حالة من الإرباك والخوف لدى سكان يعتمدون على الحركة اليومية للحصول على المساعدات والمياه والعلاج.

يرى رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، صلاح عبد العاطي، أن سياسة توسيع "الخط الأصفر" واستحداث "الخط البرتقالي" ليست مجرد تدابير عسكرية مؤقتة، بل تحوّلت عملياً إلى مناطق عازلة بالنار ومصائد موت تهدد حياة المدنيين يومياً، وتؤدي إلى اقتطاع مساحات واسعة من أراضي القطاع وعزلها عن أصحابها. وتشير الوقائع إلى سيطرة الاحتلال على قرابة 64% من مساحة القطاع.

ويُلفت عبد العاطي إلى أن الهيئة وثّقت عشرات حالات القتل والإصابات في محيط هذه الخطوط، مؤكداً أن الهدف العملي لهذه الإجراءات يتجاوز الادعاءات الأمنية، ليصل إلى فرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد داخل القطاع. ويوضح أن الغموض في تحديد هذه الخطوط أودى بحياة مدنيين حاولوا العودة إلى منازلهم أو الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو الحصول على المساعدات الإنسانية، دون أن يدركوا اقترابهم من مناطق تعتبرها قوات الاحتلال محظورة.

قانونياً، يعتبر عبد العاطي هذه الإجراءات تدابير أحادية الجانب تفرضها قوة الاحتلال خارج أي إطار قانوني معترف به دولياً. ويقول: "عندما تتحول هذه المناطق إلى أماكن يُقتل فيها المدنيون لمجرد الاقتراب منها، فإنها تصبح مناطق محظورة بالقوة المسلحة، مما يُثير شبهة الضم الفعلي غير المشروع للأراضي المحتلة، وهو ما تحظره قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف".

ويرى عبد العاطي أن هذا الواقع منسجم مع سياسات التهجير القسري والتضييق المنهجي على المدنيين، مشيراً إلى أنه يشكّل جزءاً من نمط أوسع قد يرقى إلى جريمة الإبادة الجماعية، من خلال خلق ظروف معيشية تستهدف تدمير السكان الفلسطينيين كلياً أو جزئياً. فضلاً عن ذلك، يُصنّف هذه الممارسات شكلاً من أشكال العقاب الجماعي المحظور دولياً، تندرج ضمن سياسات الاستنزاف المادي والنفسي والاقتصادي للسكان المدنيين.

يطالب عبد العاطي بتجريم الاحتلال على هذه السياسات ومساءلة المسؤولين عنها، واتخاذ إجراءات دولية عاجلة لوقفها وضمان حماية المدنيين الفلسطينيين، داعياً إلى إنفاذ قواعد القانون الدولي دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير