قطاع غزة:
لم تكن الطفلة دعاء عسلية تطلب من غدها معجزات، ولم تكن أحلامها تتعدى حدود زقاق ضيق يتسع لضحكاتها صحبة صديقاتها تحت سماء ملبدة بالغيوم، في الهواء الطلق بعيدًا عن أعين الطائرات الإسرائيلية ودخان القصف المتواصل.
كان كل مناها أن تركض صباحًا وهي متعجلة إلى درسها، أن تلهو بالطين، وتتشاجر مع رفيقاتها على دمية قماشية، ثم تعود لتغزل من خيوط الصلح ضحكة مجلجلة تمحو كدر الدقائق الفائتة.
لكن الحرب حين تمر، لا تترك وراءها سوى الرماد والملامح المشوهة. جاءت غارات الاحتلال بضجيجها المرعب، وسرقت من تلك الطفلة التي لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها تفاصيلها الصغيرة الغالية.
صديقاتها يخفن من يدها المبتورة، ويبتعدن عنها ويخبرنها بصوت يوجع روحها: "لا نريد اللعب معك، أنت بيد واحدة ولن تستطيعي اللعب أصلًا".
انقشع الغبار لتجد دعاء نفسها غريبة عن جسدها، طفلة مبتورة الأطراف تقف عند حافة الحياة، تراقب رفيقاتها وهن يركضن كالفراشات، بينما تحاول هي، بقلب مكلوم، أن تتعلم كيف تتنفس من جديد وسط هذا العجز المفاجئ.
تقول إن صديقاتها يخفن من يدها المبتورة، ويبتعدن عنها ويخبرنها بصوت يوجع روحها: "لا نريد اللعب معك، أنت بيد واحدة ولن تستطيعي اللعب أصلًا".
تركض الطفلة نحو خيمة نزوحها مع عائلتها، تنكفئ على نفسها، ثم تذرف دموعًا بحجم خيبتها التي لحقت بقلبها الصغير الهش جراء حرب الإبادة الإسرائيلية. تضيف: "أهرب من هذه المواقف وأجبر نفسي على النوم، أبحث عن أي شيء يمكن أن يغيّبني عن هذا الواقع".
حتى التصفيق، ذلك الفعل التلقائي البسيط، صار حلمًا بعيدًا لطفلة مرت الحرب على أطرافها فطحنتها بنارها
في تلك العتمة، كان والدها هو المنارة. يأتي إليها كل ليلة، يطبع قبلة حانية على جبينها الصغير، ويهمس في أذنها بوعود الغد: "ستسافرين يا دعاء.. سنركب لك يدًا جديدة، يدًا تشبه الأجنحة، وستعودين لتلعبي كباقي الفتيات، ولن يجرؤ أحد على الابتعاد عنك بعد اليوم".
كانت كلمات الأب دواء مؤقتًا لقلب طفولي يرى العالم يصفق ويلهو من حوله، بينما تقف هي وحيدة في الزاوية، تراقب المشهد بعينين دامعتين وقلب يسأل: "لماذا الكل يركض إلا أنا؟ لماذا البنات يصفقن إلا أنا؟".
حتى التصفيق، ذلك الفعل التلقائي البسيط، صار حلمًا بعيدًا لطفلة مرت الحرب على أطرافها فطحنتها بنارها؛ صار لصوت ارتطام الكفين معنى عميقًا لم تكن تدركه من قبل. حُرمت منه في لحظات الفرح، وفي مواقف النجاح، وعند طقوس الثناء.
























