لم يكن أنور الجوجو يتوقع أن تتحول الحفرة التي كان يشقّها بيديه لتأمين مرحاض لعائلته النازحة إلى كابوس كاد يفقد فيه ابنه الأكبر. دقائق معدودة فصلت بين الحياة والموت، حين انهارت التربة فجأة وابتلعت ابنه خليل، البالغ من العمر 17 عاماً، تحت أكوام من الرمال.
في إحدى مخيمات النزوح غرب مدينة غزة، حيث يعيش آلاف النازحين في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، اضطر أنور إلى حفر بئر امتصاصية جديدة بعد امتلاء القديمة التي كانت تخدم أسرته المكونة من تسعة أفراد.
يستعيد الأب تفاصيل الحادثة التي وقعت في الثامن عشر من مايو الماضي: "كنت أنا وخليل نحفر، وكان يناولني جرادل الرمل. فجأة قال إن الأرض أصبحت رطبة وإنه يكفي هذا العمق. وما هي إلا لحظات حتى سمعته يصرخ: بابا... ثم سكت كل شيء".
انهارت التربة بالكامل، واختفى خليل تحت الأرض في لحظة واحدة. يقول والده لـ"نوى": "نظرت فلم أجد سوى أرض مستوية، وكأن ابني لم يكن هنا، بدأت أصرخ مستنجداً بالجيران، وأخذنا نحفر بأيدينا وبأدوات بدائية، بعد نحو ثلاث دقائق وصلت إلى رأسه".
كانت تلك الدقائق الأطول في حياة الأب، ظن أن ابنه مات، قبل أن تعود إليه علامات الحياة بعد انتشاله. لاحقاً نقل خليل لوالده ما شعر به تحت الركام: "قال إنه لم يشعر بشيء، فقط أحس بثقل شديد ثم وجد نفسه محاصراً تحت التراب".
نجا خليل بجسده، لكن الحادثة لم تتركه. منذ تلك الليلة يعاني من خوف شديد واضطرابات في النوم. يقول والده: "صار يصحو مذعوراً.
اذا كان خليل قد نجا في اللحظات الأخبرة، فإن حمزة لم يتمكن من النجاة
هناك في حي الشيخ رضوان شمالي غرب المدينة كان حمزة عاشور، 24 عاماً، يحفر بئر مياه إلى جانب والده حين انهارت التربة عليه ولم تُخرجه إلا جثة.
يروي والده أيمن تفاصيل الفاجعة التي وقعت في السادس عشر من فبراير الماضي: "كنا نحفر ووصلنا إلى عمق ثلاثة أمتار تقريباً، والأرض كانت تبدو متماسكة. فجأة انهارت التربة فوقه بالكامل. حاولنا إخراجه بأيدينا لكننا لم نستطع، فاستعنا بجرافة. وعندما وصلنا إليه كان قد مات
رحل حمزة بعد ثمانية أشهر من زواجه. يقول والده بنبرة ممزوجة بالوجع: "حتى الآن لا نستوعب أنه رحل".
هذه الحوادث ليست استثناءً. فمنذ بدء الحرب، أدى الدمار الواسع ونزوح مئات آلاف المواطنين إلى انتشار الحفر الامتصاصية والآبار العشوائية داخل المخيمات والمناطق السكنية، بلا معايير سلامة ولا إشراف من الجهات صاحبة الاحتصاص.
يقول مدير الطواقم الميدانية في الدفاع المدني بمدينة غزة، إبراهيم أبو الريش، لـ"نوى" إن آلاف النازحين اضطروا إلى حفر مراحيض وآبار امتصاصية بجوار خيامهم بعد تدمير منازلهم وانعدام البنية التحتية، وإن معظم هذه الحفر تُنجز بوسائل بدائية ودون إشراف هندسي. "في كثير من الحالات تنهار الحفرة على من بداخلها، وعندما يُدفن الشخص تحت الرمال تكون فرص نجاته محدودة بسبب الاختناق أو ضغط التربة".
سجّل الدفاع المدني عشرات الحوادث المشابهة في مختلف محافظات القطاع، منها عشرة في محافظة غزة وحدها، وانتهى كثير منها بوفاة الضحايا.
يشبر أبو الريش أن المخاطر لا تقتصر على الحفر الامتصاصية؛ إذ خلّفت الصواريخ والقذائف فجوات عميقة تحت المباني المدمرة، سقط فيها مواطنون أثناء محاولتهم إزالة الركام أو ترميم ما تبقى من منازلهم.
يُضاف إلى ذلك شح المعدات المتخصصة، ما يجعل طواقم الإنقاذ تعتمد في الغالب على أدوات يدوية أو جرافات تُستدعى من البلديات والجهات الخاصة.
يطالب الدفاع المدني المؤسسات الدولية والجهات المانحة والبلديات بالتدخل العاجل لإنشاء مرافق صحية مشتركة وآمنة داخل مخيمات النزوح، حتى لا يظل البحث عن مرحاض أو مصدر للمياه رحلةً محفوفة بالموت.
























