شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 21 مايو 2026م19:52 بتوقيت القدس

حين يتنفّس الأطفال بالفن .."أرض البرتقال تزهر قصصًا"

21 مايو 2026 - 11:58

شبكة نوى، فلسطينيات: حين ضاقت الكلمات، لجأت وداد الشيخ أحمد إلى ما لا يكذب، إلى الألوان والخطوط على الورق، طفلة لم تتجاوز العاشرة، تمسك الفرشاة كأنها تمسك بقايا شيء لم يعد موجوداً، ترسم ما لا تستطيع قوله، وتضع في كل لون ثقلاً عاشته، بالنسبة لها لم يكن الرسم هواية ولا وقتاً للتسلية، بل كان المساحة الوحيدة التي لم تُقصف، الطريقة الوحيدة لقول ما لا يمكن قوله.

في غزة، لا تبقى الحكايات في صدور الأطفال طويلًا، تتحول إلى لوحات ومجسّمات وقصص رقمية، كأن الفن هنا صار طريقة أخرى للتنفس وسط الخراب.

في هذا السياق، اختتمت جمعية الثقافة والفكر الحر فعاليات الأيام الثقافية السنوية الحادية والثلاثين، التي جاءت هذا العام تحت عنوان "أرض البرتقال تزهر قصصًا"، في محاولة لإعادة صياغة حكايات النزوح بلغة الفن والخيال، وعلى مدار أيام انخرط الأطفال في أنشطة فنية وثقافية هدفت إلى تحويل التجربة القاسية إلى سرديات تحمل شيئًا من الأمل والقدرة على الاستمرار.

وشهدت الفعالية إطلاق كتاب قصصي رقمي مستوحى من تجارب أطفال عاشوا النزوح المتكرر خلال الإبادة، إلى جانب عرض بصري للوحات أُنتجت باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ومعرض فني ضم عشرات الأعمال، إضافة إلى جدارية فسيفساء جماعية لقبة الصخرة، في مشهد جمع بين الفن والهوية والدعم النفسي للأطفال.

وأوضح مدير برامج الطفولة في الجمعية، محمد أبو سكران، أن هذه الأيام الثقافية لا تُقدَّم كفعاليات ترفيهية، بل كـ"مساحات تربوية آمنة تعزز الثقافة والهوية الوطنية لدى الأطفال"، وتمنحهم فرصة للتعبير عن ذواتهم واستعادة توازنهم النفسي ولو بشكل مؤقت.

وبيّن أن المعرض ضم أكثر من خمسين لوحة أنجزها الأطفال بعد تدريبات استمرت لأشهر، إلى جانب ورش رسم تفاعلية أمام الجمهور، كما شاركوا في تصميم جدارية فسيفساء، وأصدروا كتيبًا يضم قصصهم المكتوبة عن النزوح والخوف والفقد، قبل تحويل بعضها إلى أعمال بصرية باستخدام تقنيات حديثة.

في إحدى زوايا المعرض، وقفت الطفلة عناية أبو هدروس بفخر أمام لوحتها ولوحات أقرانها تقول: "الرسم بالنسبة لي ليس مجرد هواية، بل محاولة لتخفيف ما تبقّى من ثقل الحرب، نحاول أن ننسى كل شيء عشناه، ونخرج مشاعرنا السلبية بالرسم"، مضيفةً: "عشنا ظروفًا صعبة خلال الإبادة، فقد ونزوح متكرر، وخوف وقلق، كل هذا دفعنا للبحث عن أي مساحة للتعبير عن أنفسنا".

غير بعيد منها، كانت تقف الفتاة منى الشيخ أحمد أمام لوحتها التي تجسّد أمًا فلسطينية تحمل أطفالها بينما تضع الكوفية على كتفيها، وتحاول أن تحمي ما تبقى من الحياة داخلها، اللوحة كما تصفها ليست مشهدًا فقط، بل شعور كامل بالانقسام بين الألم والتمسك بالنجاة.

وفي زاوية أخرى، تقف الطفلة كنان رمضان أمام عملها الفني، تشرح كيف يتحول الطائر في لوحتها إلى كائن يحمل النار والنور في آنٍ واحد: "هو الألم والحصار، لكنه أيضاً قوة وضوء"، معتبرةً أن الأجنحة الداكنة هي شكل من أشكال الكرامة والصمود.

رغم قسوة المشهد، لا تخلو اللوحات من مساحات صغيرة للضوء بين الرماد والألوان، يحاول الأطفال رسم مستقبل مختلف، لا يبدو قريبًا، لكنه موجود على الأقل في حدود الورق كاحتمالٍ لعودة الحياة.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير