شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 11 مايو 2026م10:11 بتوقيت القدس

من تحت الركام... مخلفات بميزان الذهب في سوق الخردة

10 مايو 2026 - 19:54

خانيونس- كريم قدورة:

على مساحة ضيقة في شارعٍ متفرّع من سوق العطّار غربي مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، يفترش حسن العرجا بسطته (فرشة البيع) لبيع خُردة (بضاعة مستخدمة قديمة نسبيًا) وأدوات صيانة وقطاع غيار مستخدمة، في محاولةٍ لكسب رزق عائلته وتلبية احتياجات السوق من الأدوات الصحية ومعدّات البناء وغيرها!

فمع استمرار الاحتلال الإسرائيلي إغلاقه جميع معابر قطاع غزة ومنع دخول المعدّات وقطع الغيار منذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023م، بات بيع الأدوات القديمة (الخردة) بضاعة رائجة خاصة تلك التي يتم استخراجها من تحت ركام المنازل المدمرة.

يقول العرجا، أحد باعة الخرداوات، لشبكة نوى: "بدأت حكايتي مع بيع الخُردة منذ نزوحي من رفح إلى مواصي خان يونس في مايو 2024م، حين اضطررت لبيع بعض المقتنيات التي حملتها معي في النزوح لأجل توفير المال لشراء مستلزمات بناء خيمة للإيواء، بعد أن استنزفت المواصلات ما تبقى لدي من نقود".

لاحقًا تحوّل الأمر إلى مهنة ومصدر رزق بالنسبة للعرجا الذي أصبح يشتري من الناس ما يفيض عن حاجتهم ويبيعها في سوق "الخردة" بربحٍ زهيد كما يصف.

معادلةٌ اضطر لها معظم من نزحوا وسط عجزٍ ماليٍ أعاق استيفاء الحد الأدنى من متطلبات العيش، في ظل واقعٍ اقتصاديٍ خانق، دفع الأهالي إلى إعادة ترتيب أولوياتهم بالاستغناء عن بعض المتاع والأدوات، في سبيل الحصول على أخرى أكثر ضرورة بالنسبة لوضعهم الحالي.

مطارقٌ، مفكات (أدوات شدّ البراغي)، غازات، دواليب، عربات وغيرها، جميعها بات هذا السوق الصغير مكانها شبه الوحيد؛ نتيجة الشح الشديد في توفرها في المحال التقليدية؛ بسبب منع الاحتلال الإسرائيلي مرور بضائع جديدة منها إلى قطاع غزة، في واحدٍ من أشكال متعددة لحصارٍ مُحكمٍ يخنق غزة وأهلها.

ولأن الحاجة أم الاختراع، لجأ الغزيون لإنقاذ ما يمكن من بيوتهم المدمرة، وبدأوا داخل هذا السوق مرحلةً جديدةً من صيانة واستصلاح أنواع شتى من الأدوات الصحية البلاستيكية ومعدات معدنية وميكانيكية، في محاولةٍ إضافيةٍ للتعايش مع الكارثة الإنسانية التي خلّفتها الحرب رغم ما يكتنفها من تحديات.

يشرح العرجا إلى أبرز هذه التحديات بأنه منذ شهور باتت المخاطرة بالعودة إلى البيوت المدمرة ومحاولة انتشال ما يمكن من أسفل الركام هي الملاذ الوحيد أمام الكثيرين نتيجة الوضع الاقتصادي المتردّي، ما أدى لاستشهاد عشرات الشبان برصاص قوات الاحتلال خلال محاولتهم الوصول لبيوتهم شرق الخط الأصفر.

بدوره ينوّه مفيد عابد، مصلّح وبائع خرداوات: "حتى ما يتم إنقاذه من المعدات والأدوات يكون في حالة سيئة وغير صالحة للاستخدام، نتيجة وقوعه أسفل ركام المنزل المدمر، وما ننجح في إصلاحه جزء يسير ولا يكفي لسد فجوة النقص الحاد في السوق بأي حالٍ من الأحوال".

رحلةٌ طويلةٌ ومعقدة تمر فيها المقتنيات والأدوات المنقذة من أسفل الركام وصولًا إلى عرضها للبيع، بحسب عابد، تبدأ من المخاطرة بوصول الشاب إلى منزله المدمر الواقع في مناطق خاضعة لسيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي، معرضًا حياته لخطر محتم بالقتل أو الاعتقال في أحسن الأحوال، أو التعرض لانهيار أجزاء من الركام عليه، دون أي فرصة لإنقاذه.

بينما يخوض قلة من المحظوظين الذين ينجحون في العودة بسلام، يحملون معهم بعض المقتنيات المنقذة من منازلهم المدمرة، مرحلةً أخرى من المعاناة، يصفها عابد: "نبدأ رحلة شاقة ومتعبة في فرز وإصلاح المقتنيات يدويًا بطرق بدائية؛ بسبب عدم توفر الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل معدات الصيانة، مما يؤدي إلى استنزاف الكثير من الوقت والجهد".

وبأسى يختتم حديثه لشبكة نوى: "كل ذلك لأجل كسب شواكل قليلة بالكاد تكفي ثمنًا لوجبة طعام واحدة أو وجبتين بحدٍ أقصى".

على الجانب الآخر، يروي أبو خالد اصليح، أحد رواد السوق: "أقصد سوق الخرداوات لشراء احتياجاتي منها، نظرًا لانخفاض الأسعار هنا نسبيًا عن المحلات التجارية، أو الأدوات الجديدة، والتي لا نستطيع تحمل أسعارها الباهظة".

أما أحمد، صاحب إحدى شبكات الإنترنت، فيقول: "بات هذا السوق ملاذنا لإيجاد ما نحتاجه من أدوات يمنع الاحتلال مرورها إلى القطاع حتى قبل اندلاع حرب السابع من أكتوبر، كأسلاك الإنترنت وأجهزة توزيع الإشارة اللاسلكية (الراوتر) بذريعة ازدواجية الاستخدام، مما يجعل اللجوء لسوق الخرداوات الخيار الوحيد المتاح أمامي للحصول على احتياجاتي للاستمرار في مشروعي الصغير".

ولا يقتصر سوق الخرداوات على بيع الأدوات البسيطة من معدات البناء والأدوات الصحية والكهربائية، بل أضحى بمثابة ورشة صيانة متنوعة لإصلاح ما يمكن إصلاحه من الأجهزة المنزلية والمعدات الميكانيكية المستخدمة في التنقل، ومقصدًا لا يمكن الاستغناء عنه في سبيل تعويض ولو جزء يسير من النقص الحاد في المستلزمات المختلفة التي يمنع الاحتلال الإسرائيلي مرورها إلى قطاع غزة المحاصر منذ نحو عشرين عامًا.

كاريكاتـــــير