شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 07 مايو 2026م15:13 بتوقيت القدس

"سنكمل حتى آخر نفس" صحفيين لم تُسكتهم الإبادة

06 مايو 2026 - 11:58

شبكة نوى، فلسطينيات: لا يحمل الثالث من مايو هذا العام أيَّ ملامح للاحتفاء في فلسطين؛ إذ يأتي اليوم العالمي لحرية الصحافة مثقلاً بدماء الصحفيين ومعاناتهم، لا بالشعارات والبيانات. ففي الوقت الذي ينشغل فيه العالم بإحياء المناسبة، يخوض الصحفي الفلسطيني معركةً يوميةً من أجل البقاء ونقل الحقيقة، دافعاً ثمن كل كلمة وكل صورة من حياته وأمانه، بين شهيد وجريح ومعتقل ونازح.

ربا العجرمي:كنا ننتقل باستمرار ونتجه نحو الخطر، نُصوّر تحت الركام وبجوار القصف، تراكمت في نفوسنا صدمات لا أعتقد أنني سأشفى منها يوماً، لم تكن مجرد تغطية بل كانت معايشة كاملة"

تصف الصحفية ربا العجرمي ما عاشه الصحفيون بأنه "إبادة مضاعفة"؛ إذ لم يكونوا شهوداً فحسب، بل كانوا جزءاً من المشهد ذاته. تقول :" كنا ننتقل باستمرار ونتجه نحو الخطر، نُصوّر تحت الركام وبجوار القصف، تراكمت في نفوسنا صدمات لا أعتقد أنني سأشفى منها يوماً، لم تكن مجرد تغطية بل كانت معايشة كاملة"

العجرمي التي انطلقت في عملها منذ اللحظة الأولى للحرب دون أن تتردد لحظة، كانت تتنقل بين مواقع الاستهداف في غياب تام لأي جهة توفر الحماية أو الحد الأدنى من الدعم للصحفيين وعائلاتهم، وبين الميدان والبيت، كانت تخوض معركةً موازية كأمٍّ لأربعة أطفال أصغرهم رضيعة :" في اليوم الأول كانت طفلتي معي في المكتب، وبعد يومين فقدنا كل شيء وبدأت رحلة النزوح الطويلة".

كنت أخرج وأُوصي: إذا صار قصف احضنوهم، كنت أخشى أن يحدث شيء ولا يجدون من يحتضنهم

وتضيف:" لم أتخيل أن يمتد النزوح لأكثر من عام ونصف، ولا أن تتحوّل حياتي إلى هذا التوتر الدائم بين العمل والخوف على أطفالي، كنت أخرج وأُوصي: إذا صار قصف احضنوهم، كنت أخشى أن يحدث شيء ولا يجدون من يحتضنهم". وحتى المرض البسيط غدا عبئاً لا يُحتمل: "كنت أُعالج طفلتي داخل مركبة البث، أخرج على الهواء ثم أعود للاعتناء بها".

ولم يكن الجوع غائباً عن هذه الصورة القاسية:" أطفالنا كانوا يعيشون على الخبز والدقة، ولولا الإيمان بالله لفقدنا عقولنا في ظل واقع لم يعد فيه الأمان ممكناً حتى داخل خيمة" تقول.

وترى العجرمي أن الصحفي في غزة تُرك وحيداً بعد مغادرة معظم الصحافة الدولية، بينما من بقي فقد اختار ذلك لقناعته بأن "ينقل الحقيقة ويدافع عن حقنا في حياة طبيعية بلا خوف ولا جوع.

محمد أبو دون :" خلال أقل من عامين، بدأنا الحياة من جديد أكثر من خمس مرة"

 

ويروي الصحفي محمد أبو دون من شمال قطاع غزة تجربته بجملة تختصر حجم ما تكبّده الصحفيون خلال الإبادة :" خلال أقل من عامين، بدأنا الحياة من جديد أكثر من خمس مرة".

وفي التفاصيل التي يقول إنها تحتاج إلى أيام من الحديث، يضيف:" بقينا شهراً بلا تواصل مع العالم، كنا في عزلة كاملة ثم بدأنا نبحث عن أي وسيلة لنُرسل موادنا، حتى لو اضطررنا للصعود إلى أماكن خطرة أو قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام.

لكن الصحفي أبو دون يرى أن الأصعب لم يكن العمل الصحفي، بل كيف يوفر الأمان والطعام ونواجه كلفة النزوح المتجدد، يقول:" ذات مرة خرجت وتجوّلت في كل مكان بحثاً عن طعام، ولم أحصل إلا على ماء بارد".

كان أبو دون قد عقد قرانه قبيل أكتوبر، ليجد نفسه مضطراً لإتمام الزواج في خضم الإبادة، وسرعان ما باتت زوجته حاملاً في ظروف لا توصف:" كنت أتنقل من الشمال إلى الجنوب دون أن أجد ما يُعين زوجتي على إتمام حملها بسلام، كان خوفي الأكبر على الجنين، وفي كل مرة أسمع أنه بخير كان عبءٌ يُزاح عن قلبي".

لم تتوقف الخسارات عند حدود المعاناة اليومية، وفقد المعدات والأجهزة، بل امتدت لتطال أرواحنا:" زملاء يتحولون من شركاء مهنة إلى شهداء، فقط لأنهم يُواصلون عملهم

لم تتوقف الخسارات عند حدود المعاناة اليومية، وفقد المعدات والأجهزة، بل امتدت لتطال أرواحنا:" زملاء يتحولون من شركاء مهنة إلى شهداء، فقط لأنهم يُواصلون عملهم. لم يكن سهلاً أن نستوعب أننا نفقدهم الواحد تلو الآخر بينما كنا معهم قبل قليل، ثم نواصل ولا نتوقف".

وتبقى غصّةٌ بعينها تُلازمه، هي غموض مصير زميله الصحفي نضال الوحيدي المفقود منذ اليوم الأول للإبادة، مطالباً بضرورة الضغط للكشف عن مصيره.

ومن الضفة الغربية يصف الصحفي معاذ عمارنة مسلسل الانتهاكات الذي لم يتوقف يوماً، والتي كان آخر فصوله اعتقال الصحفية إسلام عمارنة، بينما يرزخ وزوجها وشقيقها في الأسر، يقول :" تركت إسلام خلفها طفلةً لم تتجاوز الخامسة تحمل وحدها ثقل مشهد لن تنساه عندما استيقظت من نومها على وقع أقدام الجنود يدوسون عتبة البيت، وفتحت عينيها على أمها تُساق مكبّلةً في الظلام.

ما زال عمارنة يشعر بغصة أنه حتى اليوم لا يعرف ما الجرم الذي ارتكبه كـ صحفي  ليتم اعتقاله وتعذيبه، ويذوق  من القهر ما لا يمكن وصفه"، يقول :" إن لم أُنقل الانتهاكات ومعاناة الناس، فمن سينقلها إلى العالم".

يقول عمارنة، الذي فقد عينه قبل اندلاع الحرب ثم ابتلع مرارة الاعتقال مرتين خلالها لا لشيء إلا لأنه صحفي: "عشت أكثر من تجربة صعبة، وفي كل مرة شعرت أنني وحيداً  لا ظهر يسندني حين يطالني الانتهاك، واصفاً الاعتقال الثاني بأنه أشد إيلاماً من الأول، وكلا الاعتقالين كانا بسبب العمل الصحفي

ما زال عمارنة يشعر بغصة أنه حتى اليوم لا يعرف ما الجرم الذي ارتكبه كـ صحفي  ليتم اعتقاله وتعذيبه، ويذوق  من القهر ما لا يمكن وصفه"، يقول :" إن لم أُنقل الانتهاكات ومعاناة الناس، فمن سينقلها إلى العالم".

الخوف لم يعد يطرق بابه من الخارج فحسب، بل بات يقطن في عيون أهله. يقول:مجرد أن أفكر بالخروج من المنزل حتى  يشتعل قلق عائلني وتتوالى التوصيات لا تُصوّر، لا تعمل، لا تتكلم  " أصبح لدينا رقابة ذاتية نتيجة الانتهاكات التي لا تتوقف على مرأى من العالم"، لكنه يُؤكد "رغم كل المخاوف وحتى آخر نفس سأكمل هذا الطريق، لأوصل صوتي وصوت الناس".

 

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير