قطاع غزة:
"صحتين وعافية يا شريك الخيمة.. حتى القهوة استكثرتها علينا؟"؛ لم تكن هذه المناجاة بين رفيقين في مقهى يطل على بحر غزة الذي غادره الهدوء، بل كانت مرثيةً ساخرةً أطلقها نازحٌ من قلب خيمته المهترئة في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة.
ففي مشهدٍ وثقه مقطع فيديو تداوله العالم بذهول، وقف الرجل يراقب فأراً تسلق حافة فنجان قهوته الذي أعده بشق الأنفس، وأخذ يتذوقه ببرودٍ استفز الصبر الكامن في الصدور. وبضحكة مبللة بالقهر، خاطب النازحُ "ضيفه غير المرغوب فيه" قائلاً: "اشرب، فأنت صرت تملك هنا أكثر مما نملك، على الأقل أنت لا تخاف من القصف كما نخاف نحن".
هذه السخرية المريرة ليست مجرد فكاهة، وإنما هي اختزالٌ مأساوي لحال آلاف العائلات التي باتت تتقاسم فراشها وذكرياتها مع جيشٍ من القوارض التي فقدت غريزة الخوف
هذه السخرية المريرة ليست مجرد فكاهة، وإنما هي اختزالٌ مأساوي لحال آلاف العائلات التي باتت تتقاسم فراشها وذكرياتها مع جيشٍ من القوارض التي فقدت غريزة الخوف. ففي غزة، حيث استطالت الحرب التي دخلت عامها الثالث، لم تعد الخيام التي نُصبت على عجل سوى أسمالٍ بالية من القماش والنايلون، لا تردُّ برداً ولا تمنعُ غازياً صغيراً.
ومع تكدس تلال النفايات وانهيار شرايين الصرف الصحي، تحولت مراكز النزوح إلى "مدنٍ بديلة" للفئران و"العرس" التي تضخمت أحجامها حتى باتت تهاجم بوقاحة كل ما تقع عليه أسنانها.
وفي ركنٍ آخر من هذا الوجع الممتد، تجلس العروس أماني أبو سلمي، لتتحسس بحسرةٍ ما تبقى من "جهازها" الذي نُسج بشقاء وسيل من العرق تحت نيران الصواريخ والإبادة؛ مهرها الذي تحول إلى أثوابٍ ومطرزات كانت تحلم أن تبدأ بها حياةً جديدة وسط الموت المحيط.
شبكة نوى، فلسطينيات: لقد صار الفأر يقتحم الجلسات، يسرق قطعة الشوكولاتة النادرة من بين أيدي الجائعين بوقاحة كائنٍ لم يعد يرهبه ضجيج البشر ولا وهج الهواتف التي توثق المأساة.
تروي أماني والدمع يسبق لسانها: "هذا الجهاز كان بمثابة أحلامي، كنت أخبئه لزفافي، لكن الفئران نهشت الوعود قبل القماش، وحولت فرحتي المخزنة بين الطيات إلى خرقٍ بالية.. في هذه الخيمة، حتى أحلامنا التي لم تتحقق بعد، أكلتها القوارض".
وعلى وقع الذهول الذي يغلف كل قصة تروى في غزة، تصف إيمان هاشم، وهي نازحة أخرى، "قصة العشق التي لا تنتهي" بين فئران الخيام وشوكولاتة "النمبر ون" الحمراء.
تقول إن جرأة القارض تجاوزت الخيال: "للأمانة يخرب بيته ما أجرأه! كنت قاعدة عن شماله وابنتي غيداء عن يمينه، وعندي ضيوف وفي الخيمة عشرة أنفار، والفلاش يرقص في عيونه وهو محدد هدفه ولا كأنه شايفنا.. تباً ليد الفئران".
لقد صار الفأر يقتحم الجلسات، يسرق قطعة الشوكولاتة النادرة من بين أيدي الجائعين بوقاحة كائنٍ لم يعد يرهبه ضجيج البشر ولا وهج الهواتف التي توثق المأساة.
لكن الكوميديا السوداء تتحول إلى تراجيديا دموية حين تصل الأنياب إلى اللحم الحي. ففي خيمةٍ أخرى انشق فيها الصمت بصراخٍ يمزق نياط القلب، باغتت "عرسة" شرسة طفلاً رضيعاً وهو غارقٌ في نومه على فرشة رقيقة فوق الرمل، ونهشت وجهه الصغير لتترك فيه ندوباً غائرة.
الفئران في غزة اليوم أصبحت شريكاً في الإبادة؛ تنهش التاريخ والمقتنيات وسلامة الأجساد.
انقلب ليل العائلة إلى سباقٍ محموم مع الموت، بحثاً عن مطاعيم مفقودة ومضادات حيوية ندرت في زمن الحصار، ليصبح الرضيع ضحيةً لعدوٍ زاحفٍ ينهش الوجوه وسط صمت العالم.
من جانبه، يؤكد الطبيب في مستشفى ناصر الطبي، أسعد صادق، أن انتشار القوارض وهجومها المتكرر على الأهالي يتسبب بالعديد من المشاكل الصحية، تتقدمها الالتهابات الجلدية المتكررة التي تزيد من آلام النازحين الناتجة أصلاً عن العيش في بيئة الخيام القاسية.
أمام هذا الوباء الزاحف، لم تعد صرخات الناس تطلب الخبز وحده، بل تطلب استعادة "آدمية العيش"، وإنقاذ ما تبقى من أجساد الأطفال من أسنانٍ لا ترحم. فالفئران في غزة اليوم أصبحت شريكاً في الإبادة؛ تنهش التاريخ والمقتنيات وسلامة الأجساد، في واقعٍ بات فيه الفأر يملك من "الأمان" ما لا يملكه صاحب الخيمة.
























