قطاع غزة:
على سريرٍ يفتقرُ لأدنى مقوماتِ الراحة في خانيونس جنوبي قطاع غزة، داخلَ خيمةٍ طبيةٍ تفتكُ بروحِ من يسكنها قبل جسده، يرقدُ الأربعيني مصعب أبو طعيمة، يراقبُ أصابعه وهي تموتُ أمام عينيه، بينما ينهشُ الوجعُ ما تبقى من أطرافه المنهكة في صمتٍ مريرٍ وقاسٍ.
بدأت الحكايةُ قبل شهرينِ بلسعةِ ألمٍ عابرة، ظنها تعبًا عابرًا سيزولُ مع الوقت، لكن اللون الأسود بدأ يزحف كالحبرِ فوق جلده، تسللَ "الموت البارد" إلى أطرافه جميعها، محولًا كفيه إلى قطعٍ متفحمةٍ تسكنها أورام فظيعة لا ترحم صراخه.
يصف مصعب حاله بمرارة تسكن صوته المرتجف قائلًا: "أطرافي الرباعية انتهت، لا أعرف ماذا علي أن أفعل ومن يمكنه مساعدتي، أنا مهدد بفقدان كل أطرافي بسبب هذا المرض الذي لم نعرف اسمه حتى"، وبينما هو الآن أسير عجز تام، يقف الأطباء أمامه مكتوفي الأيدي، عاجزين عن فك لغز مرضه الذي يلتهم جسده، فلا تشخيص واضحًا يلوح في الأفق الغائم.
في تلك الخيمة الميدانية، لا يملك الأطباء سوى مسكناتٍ مخدرة، تغيب وعيه قليلًا لكنها لا توقف زحف السواد الموحش، تجف أصابعه كأغصان شجر يابس، تفقد إحساسها وحركتها، ويتحول اللمس إلى ذكرى بعيدة تزيد من وطأة القهر.
في تلك الخيمة الميدانية، لا يملك الأطباء سوى مسكناتٍ مخدرة، تغيب وعيه قليلًا لكنها لا توقف زحف السواد الموحش
فقد الرجل حتى الآن أربع أصابع، واللونُ الأسود لا يزال يتسلل بجبروت إلى ما تبقى من جلده، محولًا حياته إلى جحيم يومي، وسط دوامة من الألم المستمر العنيف.
خلفَ هذا السرير، ستة أبناءٍ ينتظرون عودة والدهم الذي غادرهم قويًا، ليروه اليوم ملقى فوق سرير الوجع الطوي، يناشدُ بكل ما أوتي من صوت مخنوق للسفر والعلاج في الخارج، قبل أن يبتلع السواد بقايا كفيه.

إنها صرخة أب يرى مستقبله يذوب بين فكي المرض والحصار الإسرائيلي الخانق، لا يعرف مما يشكو، ولا يملك ترفَ الانتظار تحت هذه الخيمة، وكل دقيقة تمر دون تدخل جراحي متقدم، تعني خسارة جزء جديد من كرامة جسد يرفض الموت.
تستمر المأساة في خيام النزوح الطبي، حيث يصبح الموت بطيئًا ومعلنًا للجميع، مصعب أبو طعيمة، ابنُ السادسة والأربعين، لا يريد سوى فرصة حقيقية للحياة، بعيدًا عن مُسكنات لتخدير الوجع وتترك الروح معلقة بين السماء والأرض.
يقضي ليله يحصي ما تبقى له من أصابع، ويخشى أن يستيقظ ليجد كفيه قد صارتا أثرًا بعد عين، هي رحلة ذبول موثقة بالأنين، يرويها بجسده المتهال
يرى مصعب في سواد أصابعه سواد الحاضر الذي يحيط به من كل جانب، يلمس البرد أطرافه فلا يشعر إلا بوخز الإبر، ويغرق في تساؤلاتٍ لا تجد إجابة عند أطباءٍ استنزفهم العجز وقلة الحيلة والوسائل الطبية المتاحة.
يقضي ليله يحصي ما تبقى له من أصابع، ويخشى أن يستيقظ ليجد كفيه قد صارتا أثرًا بعد عين، هي رحلة ذبول موثقة بالأنين، يرويها بجسده المتهالك، بانتظار معجزة تفتح له أبواب المعابر الموصدة نحو النجاة.
























