غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يكن توقّف مختار العطّار عن قيادة سيارته قرارًا اختياريًا، بل نتيجة حتمية لشيءٍ أبسط مما يمكن تخيله.. انقطاع زيت المحرك!
ذاك السائل الذي كان الحصول عليه تفصيلًا روتينيًا في حياة السائقين، تحوّل إلى عائقٍ ثقيل، يوقف المركبات ويعطّل مصادر الرزق.
يجلس مختار اليوم في منزله نصف المدمّر بمدينة غزة، يراقب سيارته المتوقفة، كأنها شاهدٌ صامت على ما انقطع. قبل الحرب، كان يشتري زيت السيارة بسعرٍ لا يتجاوز 14 شيكلًا للكيلوغرام، أما اليوم، فقد قفز السعر إلى نحو 1400 شيكل لنفس الكمية، إن وُجد أصلًا.

يحكي لـ"نوى" كيف حاول التكيّف، حين لجأ إلى استخدام زيتٍ محروق كبديلٍ اضطراري، لكن النتيجة كانت قاسية حيث تلف المحرك، وتضاعفت الخسارة.
في غزة، بات زيت السيارات سلعةً نادرة، تُحدّد وجودها حركة المركبات نفسها. السائقون الذين كانوا يعتمدون على أعمالهم اليومية، وجدوا أنفسهم أمام خيارين قاسيين، إما التوقف الكامل، أو المغامرة باستخدام بدائل تُدمّر مركباتهم ببطء.
حاول الرجل كما غيره استخدام بدائل، من بينها خلط وقود غير مناسب بزيوت أخرى، لكن النتيجة كانت أعطالًا مضاعفة، وصلت تكلفة إصلاحها إلى أرقامٍ لا يمكن تحمّلها.
أبو خضر سعدون، الذي يعمل في قيادة المركبات بعد أن اضطر لترك عمله الأصلي، يختصر الأزمة بوضوح: "لا بديل لزيت المحرك"، مشيرًا إلى أن غيابه لا يعني فقط ارتفاع التكلفة، بل شللًا تدريجيًا في حركة السيارات.
حاول الرجل كما غيره استخدام بدائل، من بينها خلط وقود غير مناسب بزيوت أخرى، لكن النتيجة كانت أعطالًا مضاعفة، وصلت تكلفة إصلاحها إلى أرقامٍ لا يمكن تحمّلها.
يتحدث عن لحظة اضطر فيها إلى إصلاح محرك سيارته بعد تلفه بتكلفة باهظة، فقط لأنه لم يجد الزيت المناسب، ويقول: "الأزمة لا تتوقف عند السعر، بل في انعدام الخيارات، حتى حين يتوفر الزيت، يكون بكميات محدودة، وبأسعارٍ تجعل استخدامه مغامرة مالية يومية".

في ورش التصليح، تبدو الأزمة أكثر وضوحًا، فعِز مكاوي، الذي يدير ورشة في دير البلح، وسط قطاع غزة، لم يعد قادرًا على استقبال أعطالٍ تتعلق بالمحركات، لأن أساس العمل مفقود.
يوضح أن غياب زيت السيارات أوقف جزءًا كبيرًا من عمله، فحتى أبسط عمليات الصيانة لم تعد ممكنة دون توفره، مشيرًا إلى أن جالون زيت المحرك، الذي كان في متناول اليد قبل الحرب، بات اليوم سلعة نادرة، يلامس سعرها آلاف الشواكل، إن وُجدت.
أبو قمر: "أزمة زيت السيارات تعكس خللًا أعمق في قطاع المواصلات، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على الوقود، بل امتدت إلى عناصر التشغيل الأساسية".
أما أبو نادر، الذي كان يعمل في بيع زيوت السيارات، فوجد نفسه خارج السوق. يقول: "الأزمة بدأت مع توقف إدخال البضائع، لكنها تفاقمت حتى وصلت إلى انقطاع شبه كامل (..) ما تبقى في السوق قليل، ومرتفع الثمن إلى درجة لا تسمح ببيعه أو شرائه".
وفي السياق، يوضح المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر أن أزمة زيت السيارات تعكس خللًا أعمق في قطاع المواصلات، حيث لم تعد المشكلة مقتصرة على الوقود، بل امتدت إلى عناصر التشغيل الأساسية.
"ارتفاع الأسعار ونقص الكميات خلقا سوقًا مشوّهًا، يدفع السائقين إلى خياراتٍ قاسية، إما التوقف أو المخاطرة بتلف مركباتهم".
ويعقب: "ارتفاع الأسعار ونقص الكميات خلقا سوقًا مشوّهًا، يدفع السائقين إلى خياراتٍ قاسية، إما التوقف أو المخاطرة بتلف مركباتهم".
ويضيف: "هذا الواقع انعكس مباشرة على حركة النقل، حيث ارتفعت أجور المواصلات بشكل ملحوظ، نتيجة تضاعف تكاليف التشغيل، وعلى رأسها زيت المحركات، ومع استمرار القيود على إدخال الإمدادات، تبقى الأزمة مفتوحة على مزيد من التفاقم".
لا تحتاج المركبات في غزة إلى أعطالٍ كبيرة كي تتوقف، فهنا لا يُقاس العطل بحجم الضرر، بل بما يمنع إصلاحه.. يكفي أن يغيب الزيت، حتى تتوقف معها حياة كاملة كانت تسير على عجلات.
























