شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 15 ابريل 2026م20:10 بتوقيت القدس

الاحتلال يسمح بسفر 24 حالة يوميًا فقط..

مرضى غزة.. حكاياتٌ مُعلّقة في طريق "موتٍ مفتوح"

12 ابريل 2026 - 10:29

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمةٍ على أطراف مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، بدأت الحكاية.. قبل اندلاع الحرب بقليل. تحديدًا حين لم تكن ميساء حسين (31 عامًا) تعرف أن جسدها يخبئ مرضًا أثقل من قدرتها على الاحتمال!

في سبتمبر 2023م، اكتشفت إصابتها بسرطان الثدي، وكأن المرض قرر أن يسبق الحرب بخطوة، ليدفعها إلى خوض معركتين في آن، دون أن يترك لها خيار النجاة من أيٍّ منهما.

لم يمضِ وقت طويل حتى بدأت معركة "العلاج"، بعدما دُمّر المستشفى الوحيد المتخصص بالأورام، مستشفى الصداقة الفلسطيني التركي، فوجدت نفسها في مواجهة السرطان بلا دواء، وبلا قدرة على إبطائه أو حتى التخفيف من وطأته.

في إحدى الغارات الجوية، أُصيب زوجها محمد إصابة أفقدته القدرة على العمل، لتسقط بذلك آخر دعائم الاستقرار في حياة الأسرة.

كانت البداية صدمة، ثم تحوّلت إلى انتظارٍ طويلٍ لفرصة علاج لا تأتي. تتساءل -وهي أم لأربعة أطفال بينهم توأم: "لا علاج ولا غذاء مناسب لمرضى السرطان.. فهل هذه حياة؟".

لم تتوقف الخسارة عند حدود المرض، ففي إحدى الغارات الجوية التي استهدفت غربي خان يونس، جنوبي قطاع غزة، أُصيب زوجها محمد إصابة أفقدته القدرة على العمل، لتسقط بذلك آخر دعائم الاستقرار في حياة الأسرة.

منذ ذلك الوقت، لم يعد هناك مصدر رزقٍ للعائلة سوى "تكية" خيرية بالكاد تسد رمق الأيام، فيما تتسع دائرة الاحتياج بصمت.

قبل نحو عام ونصف، حصلت ميساء على تحويلة طبية للعلاج في بلجيكا، يومها بدا الأمر نافذة نجاة، لكن النافذة بقيت مغلقة، وتحوّلت الورقة إلى وعد مؤجل، والسفر إلى حلم بعيد، في ظل القيود المشددة على معبر رفح، المنفذ الوحيد لغزة نحو الخارج.

تقول لـ "نوى": "الموت بات أسرع من إجراءات السفر، أخشى أن يسبقني قبل أن أصل".

في الخيمة ذاتها، يجلس والدها علاء حسين (53 عامًا)، محاطًا بعجزه كما لو أنه قدرٌ لا فكاك منه.

قبل عام تقريبًا، أُصيب بخمسين شظية أطلقتها طائرة مسيّرة في حي تل الهوى غرب غزة، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد جسده كما كان، ولم تعد الحياة كما عرفها.

يختصر علاء حكايته بجملة واحدة: "أتمنى الموت على أن أجلس على كرسي متحرك"، فمنذ إصابته، صار الكرسي المتحرك والمشّاية رفيقين دائمين له، فيما يحتاج إلى مساعدة الآخرين في أبسط تفاصيل يومه، حتى في دخوله إلى الحمام.

نزحت العائلة من مدينة غزة تحت وقع العمليات العسكرية التي سبقت وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، واستقر بها الحال في خيام متهالكة بدير البلح.

خضع علاء لعدة عمليات جراحية لم تخفف ألمه، فيما تتفاقم مشكلات رئتيه، ويحتاج إلى أدوات مساعدة للتنفس فقدها خلال نزوحه الأول.

هناك، يعيش 25 فردًا من الأبناء والأحفاد في مساحة تضيق بهم وبأوجاعهم، فيما تتوزع الخسارات بينهم دون استثناء.

يحمل علاء هو الآخر تحويلة طبية إلى بلجيكا منذ تسعة أشهر، لكنها، كتحويلة ابنته، بقيت حبيسة الإجراءات. خضع لعدة عمليات جراحية لم تخفف إلا جزءًا يسيرًا من ألمه، فيما تتفاقم مشكلات رئتيه، ويحتاج إلى أدوات مساعدة للتنفس فقدها خلال نزوحه الأول، حين خرج بلا شيء سوى ما كان عليه من ملابس.

يقول بصوتٍ متعب: "الحرب دمرتنا، حياتنا لا تُطاق، وكل يوم أشعر أن الموت يقترب".

حكاية ميساء ووالدها ليست استثناءً، بل جزء من صورة أوسع ترسمها أرقام ثقيلة، فوفق بيانات وزارة الصحة، لا يلتزم الاحتلال إلا بنسبة لا تتجاوز 19% من بنود اتفاق وقف إطلاق النار المتعلقة بسفر المرضى، فيما يفارق ما بين ستة إلى عشرة مرضى وجرحى حياتهم يوميًا وهم على قوائم الانتظار.

يقول مدير وحدة نظم المعلومات الصحية، المهندس زاهر الوحيدي: "عشرات الحالات الخطيرة قد تفقد حياتها في أي لحظة إذا لم يتم إجلاؤها سريعًا"، موضحًا أن الاحتلال يسمح بسفر 24 حالة يوميًا فقط، في حين تتطلب الحاجة الفعلية إجلاء ما بين 200 إلى 400 حالة يوميًا.

منذ اجتياح مدينة رفح على الحدود مع مصر، واحتلال معبرها في مايو 2024م، توفي نحو 1400 مريض وهم ينتظرون فرصة للعلاج.

ومنذ اجتياح مدينة رفح على الحدود مع مصر، واحتلال معبرها في مايو 2024م، توفي نحو 1400 مريض وهم ينتظرون فرصة للعلاج، فيما توجد 195 حالة توصف بأنها في "أعقاب الحياة"، قد تفقد حياتها في أي لحظة، إضافة إلى 1971 حالة طارئة بحاجة إلى إجلاء عاجل خلال أسابيع.

ولا يتوقف الأمر عند الأرقام، بل يمتد إلى تعقيدات إجرائية تبتلع الوقت، إذ يوضح الوحيدي أن رحلة الإجلاء الطبي تبدأ بتقييم محلي، ثم تحويلة طبية، ثم موافقات دولية، وصولًا إلى التنسيق الأمني الإسرائيلي، وهي سلسلة طويلة تستنزف ما تبقى من الوقت لدى مرضى لا يملكون رفاهية الانتظار.

وتؤدي منظمة الصحة العالمية دور المنسق الدولي، لكن جهودها تصطدم بقيود الاحتلال، الذي يفرض شروطًا مشددة ويماطل في تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، لتبقى الأبواب موصدة في وجه من ينتظرون الحياة خلفها. هنا، لا يُعلن الموت دفعة واحدة، بل يتسلل يومًا بعد يوم إلى حياة الناس، حتى يصبحوا، كما لو أنهم شهداء مؤجلون.

كاريكاتـــــير