غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"كيف أفسّر لابني أن العالم انهار؟ كيف أخبره أن بيته لم يعد موجودًا، وأن الحياة التي يعرفها اختفت دفعة واحدة؟"، بهذين السؤالين، حاولت عفاف أنور اختصار ما لا يمكن اختصاره في حياة طفلها المصاب بمتلازمة داون.
على قطعة إسفنج داخل خيمةٍ مهترئة جنوبي مدينة غزة جلسَت تحاول تهدئة أحمد الذي كان يرتجف مع صوت الرعد، كأن السماء نفسها تسقط فوق رأسه.
"لم يخسر أحمد مكانه فقط، بل خسر النظام الذي كان يربط يومه بمعنى، تاركًا إياه في فراغٍ لا يفهمه (..) الخوف أصبح لغته اليومية، مع كل غارة يضع يديه على أذنيه ويصرخ".
قبل الحرب، كان أحمد (12 عامًا) يحفظ تفاصيل يومه جيدًا، يستيقظ ويتوجه إلى مركز التأهيل، يتناول طعامه في موعده، ويجلس مساءً إلى جوار عائلته يشاهد فيلمًا كرتونيًا. كان العالم بسيطًا وواضحًا، يسير وفق إيقاع يمكن التنبؤ به، أما الآن، فقد اختفى كل شيء دفعة واحدة؛ لم يعد المركز قائمًا، ولم يبقَ المنزل، ولا حتى حي الشجاعية الذي نشأ فيه، بعدما صار منطقة مغلقة تحت سيطرة جنود الاحتلال.
هكذا، لم يخسر أحمد مكانه فقط، بل خسر النظام الذي كان يربط يومه بمعنى، تاركًا إياه في فراغٍ لا يفهمه. تقول أمه: "الخوف أصبح لغته اليومية، مع كل غارة يضع يديه على أذنيه ويصرخ، كأن جسده كله يتحول إلى رد فعل واحد".
تحاول تهدئته داخل خيمة ضيقة لا تحتوي إلا على بقايا أثاث محطم وبعض البطانيات، لكن المساحة تضيق أكثر حين يتسع الخوف داخله، لم يعد بإمكانها أن تشرح له ما يحدث، ولا أن تقنعه بأن هذا مؤقت، لأن المؤقت طال حتى صار حياة كاملة.
خلال محاولاته المتكررة للهرب بحثًا عن مكان آمن، تاه أحمد مرتين، وعثرت عليه أمه بعد ساعات من البحث والبكاء في مخيمات النزوح المحيطة.
ومع اشتداد القصف، لم يعد الخوف مجرد شعور، بل تحول إلى خطر حقيقي يلاحقه في كل لحظة. خلال محاولاته المتكررة للهرب بحثًا عن مكان آمن، تاه أحمد مرتين، وعثرت عليه أمه بعد ساعات من البحث في مخيمات النزوح المحيطة.
تقول بصوتٍ يختلط فيه الذعر بالإرهاق: "إنه موت أعيشه مرارًا، وأخشى أن يأتي يوم لا أجده فيه"، في قلبها لم يعد الفقد احتمالًا بعيدًا، بل احتمالًا يوميًا، يتسلل مع كل لحظة غياب.
على مسافة كيلومترات، كانت مرام محسن المصابة بنفس المتلازمة، تحاول بدورها أن تصنع ما يشبه الأمان داخل خيمة أخرى، فابنتها ليان، ذات الأعوام التسعة، لا تفهم لماذا تغير كل شيء فجأة! كانت تخاف من صوت باب يُغلق بقوة، أما الآن فهي تعيش وسط أصوات الانفجارات، وعالمٍ لا يهدأ.

ومع كل قصف، تدخل في نوبة بكاء طويلة، تضرب رأسها بيديها، وترفض الطعام لساعات، كأن جسدها يعلن عجزه عن احتمال هذا القدر من الفوضى.
وفق أمها فكل ما تحتاجه ليان هو الهدوء والعلاج المتخصص، لكن هذين الأمرين أصبحَا من الكماليات بعد عامين من الحرب. تضيف: "أحاول أن أعوض ذلك بوسائل صغيرة.. دمية، لعبة على الهاتف، لحظة تشتيت عابرة، لكن ليان تعرف في قرارة نفسها أن هذه المحاولات لا تعيد لها عالمها، بل تؤجل انهيارًا لا نملك له علاجًا".
"لا يفهم كلمة خطر، ولا يستجيب حين نناديه ليعود، لا ينام ليلًا من شدة الانفجارات، وأنا أقف أمامه عاجزة، أراقب خوفه وهو يكبر دون أن أستطيع احتواءه".
في حي التفاح شرقي غزة أيضًا، لم تغادر عائلة الفتى محمود الشوا مكانها رغم القصف المستمر. الصبي البالغ من العمر (15 عامًا) يعيش بين بقايا منزل عائلته المدمر، ينتقل من غرفة إلى أخرى كلما اشتد القصف، وكأنه يلاحق وهم الأمان داخل بيت لم يعد صالحًا للحياة.
تقول أمه: "هو لا يدرك معنى الخطر، يخرج أحيانًا إلى الشارع دون انتباه، فيركض شقيقه خلفه ليعيده قبل أن تصيبه رصاصة أو شظية".
تضيف الأم بصوتٍ مثقل بالعجز: "لا يفهم كلمة خطر، ولا يستجيب حين نناديه ليعود، لا ينام ليلًا من شدة الانفجارات، وأنا أقف أمامه عاجزة، أراقب خوفه وهو يكبر دون أن أستطيع احتواءه".
لم يكن يميّز بين طريق آمن وآخر قاتل، ولم يفهم لماذا يجب أن يبقى في مكانه. بعد وقتٍ قصير، عثرت عليه عائلته شهيدًا، وقد أصيب برصاصة استقرت في رأسه.
في كل ليلة، يتضاعف شعورها بأنها تخسر جزءًا منه، لا بسبب إصابته بمتلازمة داون، بل بسبب واقع لا يمنحه فرصة ليكون آمنًا.
ولا يتوقف الخطر عند حدود الخوف أو الضياع في حياة المصابين بمتلازمة داون في ظل استمرار الإبادة، ففي إحدى جولات القصف، خرج محمد الفرا، دون أن يدرك حجم الخطر المحيط به.
لم يكن يميّز بين طريق آمن وآخر قاتل، ولم يفهم لماذا يجب أن يبقى في مكانه. بعد وقتٍ قصير، عثرت عليه عائلته في مستشفى ناصر، وقد أصيب برصاصة استقرت في رأسه..
لم يعرفوا متى غادر، ولا كيف انتهت رحلته؟ لكنهم عرفوا أن جهله بالخطر كان كافيًا ليقوده إلى الموت آنذاك.
لم يفهم ما يحدث، ولم يدرك أن الخطر يقترب منه حين أُطلق كلب عسكري نحوه، مدّ يده إليه، لكن الكلب نهش جسده وتركه ينزف.
تقول إحدى قريباته: "كان يسأل عن منزله باستمرار، يطالب بالعودة إليه، وكأن الذاكرة وحدها كانت تدفعه للسير في طرق لم تعد موجودة"، مردفةً: "ربما ظن أنه يقترب من بيته، لكنه في الحقيقة كان يقترب من نهايته في مدينة لم تعد تفرق بين طريقٍ يؤدي إلى الحياة وآخر ينتهي بالموت".
وفي الشجاعية، كانت النهاية أكثر قسوة.. محمد بهار، الشاب المصاب بمتلازمة داون، بقي في منزله حين اقتحمه الجنود ذات يومٍ من أيام الإبادة.
لم يفهم ما يحدث، ولم يدرك أن الخطر يقترب منه حين أُطلق كلب عسكري نحوه، مدّ يده إليه كما يفعل مع أي كائن يظنه صديقًا، لكن الكلب نهش جسده وتركه ينزف، فيما أُجبرت عائلته على مغادرة المنزل تحت التهديد، دون أن تتمكن من إنقاذه.
هذه القصص جزء من واقع يعيشه نحو 1600 طفل مصاب بمتلازمة داون في غزة، ضمن أكثر من 58 ألف شخص من ذوي الإعاقة، يعيشون اليوم بلا مراكز تأهيل، وبلا أنظمة دعم.
بقي وحده، ينزف في مكان لم يفهم لماذا أصبح فجأة ساحة للعنف، وبعد أيام، عادوا ليجدوه جثة على الأرض، شاهدة على قسوة لا يستطيع عقل بسيط أن يستوعبها.
هذه القصص ليست استثناءً، بل جزء من واقع يعيشه نحو 1600 طفل مصاب بمتلازمة داون في غزة، ضمن أكثر من 58 ألف شخص من ذوي الإعاقة، يعيشون اليوم بلا مراكز تأهيل، وبلا أنظمة دعم، في ظل نزوحٍ طال معظم السكان.
ومع انهيار البنية الإنسانية، لم يعد هناك ما يحميهم من عالم فقد توازنه بالكامل.
تشير التقديرات إلى أن الغالبية الساحقة من أطفال غزة يعانون من أعراض نفسية حادة؛ الخوف من الموت، والكوابيس، والرغبة في الهروب من هذا الواقع بأي شكل، لكن أطفال متلازمة داون يقفون في مواجهة هذا كله دون أدوات الفهم أو القدرة على التكيف، يعتمدون كليًا على أمهات يحاولن تفسير ما لا يُفسَّر، وحماية ما لا يمكن حمايته.
في النهاية، لا تقف المأساة عند حدود الحرب نفسها، بل تمتد إلى ما تتركه داخل هؤلاء الأطفال من خوفٍ لا يُرى، ومن هشاشةٍ تتسع بصمت.
























