غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في زاويةٍ ضيقة من خيمةٍ أنهكها الغبار فرشت "ريم" ألعابها، أمسكت عروستها، ثم قالت ببرودٍ لا يشبه حيوية طفلة: "استشهدت البنت".
رفعت الطفلة (5 سنوات) رأسها قليلًا، كأنها تنتظر أن يؤكد كلامها أحد، ثم أعادت النظر إلى دميتها الممدّدة، وبدأت تضغط على صدرها الصغير بيديها المرتجفتين!
حملت ريم دميتها بين ذراعيها، ومشت بخطواتٍ بطيئة، يتبعها أطفال المخيم! بعضهم ردّد عباراتٍ سمعوها في وداعاتٍ حقيقية، وآخرون انشغلوا بحفر حفرة!
تُكرر الطفلة مشهدًا رأته آلاف المرات في أروقة مستشفيات غزة، وعبر مقاطع فيديو مرّت عنها عفوًا في هاتف أمها.. تصرخ: "هناك إصابة، نريد إسعافًا بسرعة"، لكن هذه المرة لم يأتِ أحد.
اقتربت طفلة أخرى، وحاولت لفّ قطعة قماش حول جرحٍ لا يُرى، بينما واصلت ريم محاولات الإنعاش. تهمس بإلحاح: "استيقظي... لا تموتي، هل تسمعينني؟ استيقظي".
لحظات صمتٍ قصيرة، كأنها تمنح الحياة فرصة أخيرة، ثم قالت بهدوءٍ قاسٍ: "انتهى.. ماتت البنت"، لكن اللعبة لم تنتهِ.
في المكان ذاته، بدأت مراسم تشييعٍ لا تشبه اللعب في شيء. حملت ريم دميتها بين ذراعيها، ومشت بخطواتٍ بطيئة، يتبعها أطفال المخيم! بعضهم ردّد عباراتٍ سمعوها في وداعاتٍ حقيقية، وآخرون انشغلوا بحفر حفرة صغيرة بأصابعهم.
وضعوا الدمية في القبر وراحوا يهيلون عليها التراب، كما لو أنهم يستعيدون مشهدًا محفوظًا، لا يبتكرونه، بل يكررونه.
قبل الحرب، كانت ريم تلعب كما ينبغي لطفلة، كانت تُطعم الدمى وتُلبسها وتنيمها بقربها، لا تُسعفها ولا تدفنها، لكن شيئًا ما تغيّر اليوم -كما تقول والدتها- التي تراقب ما يحدث بصمت.
"ريم باتت تفهم الموت بطريقةٍ مخيفة، كأنه نهاية حتمية، وكأن ما يجري حولها أمر طبيعي، لم يعد حتى في ألعابها مجالٌ لنجاةٍ كاملة، فكل شيءٍ ينتهي إلى فقد".
لم تعد ابنتها تتخيل الحياة، بل تُعيد تمثيل الموت. لم يعد اللعب مساحةً للهروب، بل صار مكانًا تعود فيه الذاكرة إلى أقسى ما عاشه الأطفال من تفاصيل شملت كل شيء.
تقول الأم: "ريم باتت تفهم الموت بطريقةٍ مخيفة، كأنه نهاية حتمية، وكأن ما يجري حولها أمر طبيعي، لم يعد حتى في ألعابها مجالٌ لنجاةٍ كاملة، فكل شيءٍ ينتهي إلى فقد".
وتضيف: "ابنتي تُعيد ترجمة ما ترسّخ في ذاكرتها، فكل دميةٍ لها مصير، وكل لعبةٍ تبدأ بمحاولة إنقاذ وتنتهي بوداع، حتى حين تلعب مع الأطفال لعبة "بيوت وناس"، لا تبني بيتًا، بل تروي حكاية نزوحٍ متكررة، كأن الاستقرار لم يعد موجودًا حتى في الخيال".
على مسافةٍ قصيرة، كان أطفالٌ آخرون يبحثون عن طريقةٍ مختلفة للفرح. من بين ركام منزلٍ مهدّم، تدلّت أسلاك كهربائية وأسياخ حديد، تحولت إلى أراجيح بدائية تعلّقوا بها، يضحكون حينًا ويصرخون حينًا آخر، بين خوفٍ لا يُقال، ورغبةٍ صغيرة في اللعب.
ينظر إليهم أحد الآباء ويُدعى غسان حميد بعينٍ قلقة. يخشى عليهم من الخطر، لكن السؤال الذي يطارده أكثر إيلامًا: "إلى أين يذهبون؟ لا أماكن للعب، ولا مساحات آمنة، ولا بدائل".
يفكر في إيقافهم مرارًا، في توبيخهم، ثم يسمع ضحكاتهم، فيتراجع. يهمس لنفسه: ربما هذه فرصتهم الوحيدة لاستعادة شيءٍ من الفرح، بعد أن نجوا من الموت.
وفي مكانٍ آخر، داخل مخيم المغازي، تبدو اللعبة مختلفة، لكنها تحمل المعنى ذاته.. ينقسم الأطفال إلى فريقين: "طائرات" و"مدنيون"، يركض أعضاء الأول مقلدين صوت القصف، بينما يفرّ الآخرون بحثًا عن مخبأ! يسقط أحدهم أرضًا، فيهرع إليه الآخرون، بعضهم يضحك، وبعضهم يصرخ كما لو أن المشهد حقيقي.. لا أحد يشرح القواعد، لأن الجميع يعرفها.
"أبنائي لا يلعبون فقط، بل يعيدون ما عاشوه. القصف لم يعد حدثًا طارئًا، بل صار جزءًا من خيالهم، والدمار لم يعد استثناءً، بل تحول إلى ملعب".
تراقب أم الطفل سامر نوفل (9 أعوام) هذا المشهد، وتقول: "أبنائي لا يلعبون فقط، بل يعيدون ما عاشوه. القصف لم يعد حدثًا طارئًا، بل صار جزءًا من خيالهم، والدمار لم يعد استثناءً، بل تحول إلى ملعب".
يتفق الأهالي على أن اللعب لم يعد منفصلًا عن الواقع، بل امتدادًا له.. في غزة لم يعد الأطفال يبتكرون عوالم بديلة، بل يعيدون تشكيل عالمهم القاسي بوسائل بسيط: دمية تتحول إلى شهيدة، وأسلاك إلى أرجوحة، وصوت قصف إلى لعبة جماعية.
يقول مختصون إن هذا النوع من اللعب محاولة للتكيّف، طريقةٌ صامتة لفهم ما لا يمكن فهمه، أو ربما لتحمّله، "لكن ما لا يُقال بصوتٍ عالٍ، يظهر في التفاصيل الصغيرة، في يدٍ ترتجف وهي تحاول إنقاذ دمية، في صوتٍ يخفت حين يعلن الموت، في حفرةٍ تُحفر بأصابع صغيرة، وكأنها تعرف طريقها جيدًا" حسب تعبير أم سامر.
وحين يصبح الموت جزءًا من الخيال، لا يعود السؤال عن طبيعة الألعاب، بل عن الطفولة نفسها "ماذا يتبقى منها، حين تختصر الحياة بين إنقاذٍ لا يكتمل، ووداعٍ يتكرر كل يوم؟".
























