غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في اللحظة التي وصلها الخبر، اشتعل حريقٌ جديدٌ في صدرها. تقول أم محمد أبو شقفة: "طار عقلي، ارتفع عندي السكر، وهربت فورًا إلى شاطئ البحر.. هناك بكيت كثيرًا، لكن القهر بقي عالقًا في حلقي".
لم تكن السيدة تبكي خوفًا عابرًا، بل كانت تبكي أبناءها الأربعة دفعةً واحدة، كأن القانون الذي يشرعن إعدام الأسرى لم يُقرّ في البرلمان الإسرائيلي "الكنيست"، بل جثَمَ فوق قلبها مباشرة.
في خيمتها غربي دير البلح، تجلس محاطةً بأحفادها الخمسة والعشرين. الاتساع هناك لم يبدّد الفراغ، فكل زاويةٍ تحمل غيابًا، وكل وجهٍ صغير يذكّرها بأبٍ مفقود أو أسير أو شهيد.
تكفل أم محمد اليوم أبناء أبنائها ونسائهم، وحدها، وكأن الحياة دفعتها لتكون أمًا مرةً أخرى فوق ركامٍ من الخسارات.
تعيش اليوم لتكفل أبناء أبنائها ونسائهم، وحدها، وكأن الحياة دفعتها لتكون أمًا مرةً أخرى، لكن هذه المرة فوق ركامٍ من الخسارات.
قبل الحرب، كانت الحياة أكثر بساطة، وأكثر امتلاءً -وفق وصفها- كانت تقيم مع أبنائها الأربعة وزوجاتهم في بيتهم بمدينة بيت لاهيا شمالي قطاع غزة، حيث كانت التفاصيل اليومية تُشبه أي حياةٍ عادية، قبل أن تُقتلع دفعةً واحدة.
في أكتوبر 2023م، حين بدأ النزوح الجماعي نحو الجنوب، رفضت الرحيل. كانت تظن أن الحرب لن تطول، وأن البقاء في البيت أقل قسوة من الغربة، لكنها لم تكن تعلم أن البقاء سيعني النزوح داخل المكان نفسه ثلاثين مرة! وأن الجوع سيطرق بابها مرتين، وأن الخوف سيقيم في قلبها طويلًا.
بعد قصف منزلهم خرج ابنها الثلاثيني أحمد لقضاء حاجةٍ يومية ولم يعد. لم يُعرف إن كان حيًا أو شهيدًا، ولم يظهر اسمه في سجلات الأسرى، بقي معلقًا بين الاحتمالات.
في السادس عشر من ديسمبر 2023م، استشهدت حفيدتها "بانا" ذات الخمسة عشر عامًا برصاصة قناص. تتوقف أم محمد عند هذه اللحظة طويلًا، كأن الزمن تعثّر هناك، وتخبرنا أنها لم تستفق من صدمة رحيلها، حتى وجدت نفسها أمام صدمةٍ أخرى، أكثر غموضًا وأشد قسوة.
بعد قصف منزلهم، لجأت العائلة إلى بيت قريب في بيت لاهيا، وفي السابع والعشرين من أكتوبر 2024م، خرج ابنها الثلاثيني أحمد، لقضاء حاجةٍ يومية، ولم يعد.
بحثوا عنه في كل مكان، أبلغوا الصليب الأحمر، انتظروا أي خبر، لكن الفراغ كان الجواب الوحيد. لم يُعرف إن كان حيًا أو شهيدًا، ولم يظهر اسمه في سجلات الأسرى، بقي معلقًا بين الاحتمالات، كأن الفقد هنا لا يكتفي بالغياب، بل يترك الباب مفتوحًا على الانتظار الطويل.

ومع تدهور الأوضاع، قررت العائلة أخيرًا النزوح إلى الجنوب في أواخر عام 2024م، حيث كان ابنها أمجد قد سبقهم مع زوجتيه وأطفاله العشرة منذ بداية الحرب. بدا الوصول إليه كأنه نجاة مؤقتة، لكن الطريق نفسه كان فخًا آخر.
على حاجز الاحتلال في طريق صلاح الدين، اعتُقل ابناها "محمد" (والد الشهيدة بانا)، و"عاهد" ذو الإعاقة الذي فقد ساقيه في قصفٍ سابق عام 2012م.
في تلك اللحظة، لم تفقد أبناءها فقط، بل فقدت القدرة على الاطمئنان إلى أي طريق. منذ ذلك اليوم، لا تعرف عنهم شيئًا مؤكدًا، وتضيف: "بعض المفرج عنهم أخبروها أنهما تعرضا للتعذيب، ونصحوني بتوكيل محامٍ، لكن كل ذلك ظلّ بلا نتيجة، لا معلومات رسمية، ولا زيارات، ولا يقين".
"بعد أن نزح إلى الجنوب مع عائلته، عاد إلى شمالي القطاع عقب اتفاق وقف إطلاق النار في يناير 2025م، ليقف على أنقاض بيته، كمن يحاول جمع ما تبقى من حياته".
تلتفت إلى حفيدها هشام، ابن عاهد (5 سنوات)، وهو يردد ببراءةٍ موجعة: "الجيش أخذ أبي، أريد أن أخرجه".
تنظر إليه بصمتٍ طويل، ثم تصف كيف يحترق قلبها على أبنائها الثلاثة: الأسيرين، والمفقود، وجميعهم في مكانٍ لا تستطيع الوصول إليه. كان لديها أملٌ أخير، ابنها أمجد.
تزيد: "كنت أراه السند الذي سيعوّض غياب إخوته، لكنه أيضًا رحل!"، مستطردةً بمزيدٍ من التفصيل: "بعد أن نزح إلى الجنوب مع عائلته، عاد إلى شمالي القطاع عقب اتفاق وقف إطلاق النار في يناير 2025م، ليقف على أنقاض بيته، كمن يحاول جمع ما تبقى من حياته".
في السادس والعشرين من يونيو 2025م، استشهد أمجد حين مرّ قرب قصفٍ مفاجئ. لم يكن في ساحة مواجهة، بل كان يعبر طريقًا.. "لكنها الحرب التي لا تحتاج إلى سبب كي تقتلك" تعقب بحرقة.
منذ الحديث عن قانون إعدام الأسرى، وهي تعيش في قلقٍ دائم، وتفكر في أبنائها داخل السجون: كيف تصلهم هذه الأخبار؟وكيف ينتظرون مصيرًا قد يُفرض عليهم في أية لحظة؟
تتنفس أم محمد ببطء، وتذكر مرضها بالسكري، وكيف عانت من انقطاع الدواء وسوء التغذية، وكيف واجهت مجاعتين تباعًا.
في الأولى، كانت تعيش على أوراق الخبيزة والتوت، تطبخها كما لو أنها وجبة عادية مُحاولةً خداع الجوع، وفي الثانية، تجرعت إحساس العجز على ثلاث وجبات يوميًا حين اختفى الطعام كله.
اليوم، لا تواجه أم محمد الجوع فقط، بل الخوف أيضًا، وحرقة القلب، وقهرٍ لا مساحة لامتداده. منذ الحديث عن قانون إعدام الأسرى، وهي تعيش في قلقٍ دائم، وتفكر في أبنائها داخل السجون: كيف تصلهم هذه الأخبار؟ وكيف ينتظرون مصيرًا قد يُفرض عليهم في أية لحظة؟
"هذا القانون حتى مع غياب تفاصيله، يكفي ليأكل قلوب الأمهات".. تشيح أم محمد بوجهها وتختم بصوتٍ متقطع: "يكفيني ما في قلبي".
في زاويةٍ من الخيمة، يتحدث حفيدها جواد (4 سنوات) ببراءة: "أريد أن أقول لأبي تعال عندنا".
تضع أم محمد يديها على وجهها، وتبكي سلسلة حرائق لا تنطفئ. تقول: "هذا القانون حتى مع غياب تفاصيله، يكفي ليأكل قلوب الأمهات"، ثم تشيح بوجهها وتختم بصوتٍ متقطع: "يكفيني ما في قلبي".
تلخّص قصة أم محمد حياةً كاملة في غزة: ابنٌ شهيد، وآخر مفقود، واثنان في الأسر، وأحفادٌ ينتظرون آباءهم. حكاياتٌ كثيرة، لكنها في قلبها حريقٌ واحد، لا ينطفئ.
























