شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م11:48 بتوقيت القدس

حيث تدور حواراتٌ تعكس هموم المدينة

حواديت الغرباء في "الجار والمجرور" تُبقي الحياة حية

31 مارس 2026 - 10:02

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لا ينسى سامح السيقلي موقفًا حدث وقت المجاعة في عربة "الجار والمجرور"، حين كان الخبز والطحين نادريْن. ركب يومها رجلٌ يحمل كيساً شفافاً فيه خبز صاج ويبدو أنه قد جلبه بعد مشقة من "المساعدات". أخذ جميع الركاب يُحدّقون في الكيس، وقد ظهرت عليهم علامات الجوع والتعب والإرهاق.

ومن دون أي كلمة، بدأ الرجل يُوزع "فرشوحة" على كل راكبٍ بصمتٍ مطبق. لم ينطق كلمة "تفضلوا"، ولم يقل أيٌ منهم "شكرًا"، ولم يتبادل الطرفان أي حديث. كل راكبٍ تناول ما أُعطي له، ثم غادر الجميع العربة بهدوء.

ومن مشاوير كثيرة استخدم فيها المهندس سامح هذه الوسيلة المستحدثة من المواصلات بعد الحرب، يرى أن معظم العلاقات تتشكل داخل العربات من مواقف عفوية وبسيطة، كنظرةٍ أو جملة عابرة، حيث تنتهي غالبية هذه العلاقات فور نزول الركاب، بينما تستمر نسبةٌ ضئيلة منها إذا تكررت اللقاءات لاحقًا.

ويستوقفنا هنا، ما كتبه الشاعر محمد العكشية حول الأمر، قائلاً في منشور له في منصة "فيس بوك": "لمن لا يعرف العُقلاه من خارج غزة: هي عربةٌ مسقوفة كيفما اتفق، تُلحق بسيارة الأجرة لمضاعفة عدد الركاب، ويجلس فيها الناس متقابلين لمسافاتٍ طويلة، ظهرت في الحرب ككل الأمراض التي تظهر إبّان الحروب".

و"مجتمع الجار والمجرور" كما يصفه العكشية: "تنتشر فيه حالة دفءٍ غريبة ومشاعر عميقة تعكسها التصرفات التلقائية، فالثقافة واحدة، واللغة واحدة، والتجربة والألم والواقع الاقتصادي والاجتماعي واحد".

وخلاصة منشوره تُفضي إلى أن "المراقب لنمو العلاقات بين الناس في هذا المجتمع الذي يمتد عمره إلى ساعة أو ساعتين، يكون كمن يراقب تجربة اجتماعية يومية حيّة تدرس سلوك عينةٍ عشوائية من الناس عاشت الحرب".

أحاديث يتجنبونها

في قطاع غزة، تغيّرت المواصلات جذريًا جراء الحرب. فبعد أن كانت السيارات وسيلة نقل بلا منافس، أدى التدمير الواسع للمركبات والبنية التحتية، ومنع إدخال سيارات جديدة، إلى واقعٍ صعب جعل استخدامها مخاطرة مكلفة، خاصة مع تهالك الطرق التي امتلأت بالركام.

واقعٌ مرير دفعَ عدداً لا بأس به من السائقين إلى الاحتفاظ بسياراتهم للاستخدام الشخصي، وظهرت بدائل مثل "عربات الجار والمجرور"، وهي مركبات تُلحق بها عربات إضافية بدائية أو مغلقة ومجهزة بمقاعد، وتُعد الأكثر انتشارًا رغم مخاطرها. كما تضاعفت أعداد العربات التي تجرّها الحيوانات، سواء الحمير للمسافات القصيرة أو الخيول، رغم ما تثيره من مخاوف.

ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، بلغت خسائر قطاع النقل والمواصلات في غزة نحو ثلاثة مليارات دولار، فيما تُظهر صور الأقمار الصناعية عبر برنامج UNOSAT أن 77 في المئة من مجمل شبكة الطرق قد تضرّر.
وبالعودة إلى السيقلي سألته "شبكة نوى" عن طبيعة النقاشات التي تدور بين الرُكّاب، فقال: "نادرًا ما تكون سياسية، إذ يُفضّل الركاب تجنبها، كما أنهم يتجنبون الحديث عن الخسائر الفادحة والتجارب المؤلمة التي خلّفتها الحرب، تفاديًا لفتح الجراح. بينما تهيمن الأحاديث المرتبطة بالمعيشة اليومية، مثل أزمة الخبز، وصعوبة تأمين جِرار الغاز والحطب، وأزمة "الفكة" التي تزيد الضغط على تنقلات المواطنين، إلى جانب صعوبة المواصلات وارتفاع تكاليفها".

"الحرب أثرّت على أسلوب الحوار، فأصبح الناس أكثر حذرًا وصمتًا. في المقابل يتبادل الركاب عبارات التضامن والمواساة، ويميلون إلى تجنب النقاشات الحادة".

وفي نقطة لافتة، يؤكد أن الحرب أثرّت على أسلوب الحوار، فأصبح الناس أكثر حذرًا وصمتًا. في المقابل يتبادل الركاب عبارات التضامن والمواساة، كما أنهم يميلون إلى تجنب النقاشات الحادة خاصةً بين الرجال، بينما تُظهر النساء قدرةً أكبر على فتح الحوارات، تبعاً لرأيه.
"ماذا عن شكاوى الحياة اليومية؟" يجيبني بقوله: "يتصدّر الحوارات عادةً ارتفاع الأسعار واستغلال التجار، وكذلك ظروف السكن القاسية، مع تركيزٍ واضح على الحاضر دون الحديث عن المستقبل".

"تغيّر معايير الركاب" هو شكلٌ من أشكال التكيّف، ففي السابق كانوا يختارون وسيلة النقل بعناية، اليوم أصبحوا مضطرين لاستخدام أي وسيلة متاحة".

 وفي نظره، أن "تغيّر معايير الركاب" هو شكلٌ من أشكال التكيّف، ففي السابق كانوا يختارون وسيلة النقل بعناية، اليوم أصبحوا مضطرين لاستخدام أي وسيلة متاحة، مهما كانت غير مريحة".
ويخطر على باله وصفاً يليق بهذه العربات: "أراها تعكس مجتمعًا بلا طبقات صنعته الحرب، حيث يجتمع الكل بمختلف فئاتهم في مساحة واحدة".

تجربةٌ إنسانية متكاملة

"ركوب "عربات الجار" في قطاع غزة لا يقتصر على كونه وسيلة نقل، بل يمثل تجربةً إنسانية متكاملة، حتى لو كانت الرحلة قصيرة"، تقول بسمة موسى.

تضعنا في قلب المشهد بحديثها معنا: "الراكب بمجرد صعوده يجد نفسه محاطًا بأشخاص لا يعرفهم، لكن الحواجز الاجتماعية سرعان ما تذوب. فاستفسار بسيط من قبيل "من أين أنت؟" يفتح الباب لسرد حكايات طويلة عن الحياة اليومية: العمل، الحصار، والأمل، لتتكون العلاقات الإنسانية بسرعة، مع أنها غالبًا تنتهي فور نزول كل راكب وذهابه لحال سبيله".

وتشير بسمة إلى أن جُلّ الحديث داخل عربات "الجار والمجرور" يتركز على هموم الحياة، لا سيما أن الجميع متعبون من دائرة الصعوبات نفسها، مثل الأسعار، وقلة فرص العمل، وافتتاح المحال، والصعوبات عموماً تحت ظروف الحرب. والقصص التي تُحكى كلها تحمل أوجاعاً منها خسارة المنازل وأمراض الأحباء، أما النقاشات السياسية تُثار أحياناً لكن بصفةٍ محدودة وحذرة، وفقاً لكلامها.

 وفي بعض المواقف قد يشوب هذه الأحاديث التوتر، إذا ما حدث خلاف في الرأي. وقد ينفعل شخص غاضباً لأتفه سبب لكنه سرعان ما يهدأ ويعتذر، ومَن حوله يلتمسون له العذر ويقدّرون الضغوط التي تؤرق معظم الناس. وعلى صعيد آخر قد تنشأ صداقة لطيفة بين بعضٍ، في لحظة انكشاف يظهر فيها إنسان ما كما هو، دون تصنّع أو زيف، حسب تعبيرها.

وتعتبر بسمة "عربات الجار" بوصفها ابتكارًا بسيطًا يُمكّن الناس من الاستمرار في حياتهم، "ليست مجرد وسيلة نقل، بل دليلاً على قدرة المجتمع الغزيّ على التكيف".

أما ديانا سعد كانت في بداية الحرب تفضّل العربة المغلقة، في أثناء تنقلها من دير البلح إلى خان يونس. لكن بمرور الوقت صارت تستخدم أي وسيلة متاحة، ومهما بدت خطورتها، فترف الاختيار لم يعد متوفراً.

"أصبحت هذه الوسائل مقبولةً لدى الجميع، حتى من كانوا يرفضونها سابقًا، وبات من المألوف رؤية فتيات أنيقات يركبن عرباتٍ تجرها الخيول".

 وكغيرها، تشكو ديانا تكلفة المواصلات العالية التي قد تصل الرحلة عبرها إلى خمسين شيكلاً، لذلك تفضّل المشي قدر الإمكان، مستدركةً حديثها: "لكن أحيانًا أُجبر على استخدامها، كما حدث في شهر رمضان عند شراء ملابس العيد لأطفالي."
وتواصل كلامها: "أصبحت هذه الوسائل مقبولةً لدى الجميع، حتى من كانوا يرفضونها سابقًا، وبات من المألوف رؤية فتيات أنيقات يركبن عرباتٍ تجرها الخيول".
وتبدي رأيها في "حواديت" العربات بالقول: "لا شك أنها خلقت مساحاتٍ للتعارف وتبادل الخبرات، خاصة في فترات الانتظار الطويلة بسبب الازدحام، رغم ما قد ينشأ من توترات عند مناقشة مواضيع حساسة أو نتيجة سوء تعامل بعض السائقين".

تفريغ نفسي.. وتكيّف

وحول قراءة هذا المشهد من الزاوية "النفسية الاجتماعية" يقول المختص محمد صبّوح إن هذه الظاهرة واحدة من انعكاسات الحرب التي أفرزت أنماطاً سلوكية واجتماعية لم تكن موجودة سابقًا.

ويُوضح صبوح في حديثه لـ"شبكة نوى": "تُعد هذه العربات وسائل نقل غير مريحة ومكتظة، ما يترك أثرًا على الحالة النفسية للركاب، يُضاف إلى الضغوط اليومية المتراكمة".

ومع هذا، فإن تلك الحوارات تسهم في تخفيف التوتر إلى حدٍ ما، إذ يمنح الحديث عن التجارب الشخصية وطرق التكيف إحساسًا بالذات، ومن جهة ثانية يساعد التواصل مع الغرباء على تفريغٍ غير مباشر للضغوط النفسية، حسبما يضيف المختص النفسي الاجتماعي.

"هذه التفاعلات شكل من أشكال التفريغ النفسي والتكيف، حيث يتبادل الركاب الخبرات والنصائح لمواجهة الصعوبات، ما يعزز نوعًا من الدعم النفسي الجماعي".

ويعزو طبيعة الأحاديث التي تنشأ في هذه الوسائل إلى "حاجةٍ نفسية ملحّة لدى الأفراد للتعبير عن مشاعرهم، والتواصل مع الآخرين، والشعور بالمصير والظروف المشتركة، خاصة مع تحديات الحياة اليومية، وأبرزها تأمين المياه والغذاء".
ويصف هذه التفاعلات بأنها شكل من أشكال التفريغ النفسي والتكيف، حيث يتبادل الركاب الخبرات والنصائح لمواجهة الصعوبات، ما يعزز نوعًا من الدعم النفسي الجماعي. وفي المقابل، لا تخلو هذه الظاهرة من جوانب سلبية، إذ قد تُسهم أحيانًا في نقل القلق أو تداول الشائعات، مما يضاعف التوتر بدلًا من تخفيفه، كما يقول.

في نهاية المطاف، تبدو عربات "الجار والمجرور" أكثر من مجرد حلٍ اضطراري لأزمة المواصلات؛ إنها مساحة مكثّفة تختصر يوميات الحرب بكل ما فيها من تعبٍ وأمل. داخلها، يلتقي الغرباء على قواسم مشتركة فرضتها الظروف، فيتشاركون الخبز والحديث والقلق، ثم يمضون كلٌّ في طريقه، تاركين خلفهم أثرًا لا يُرى لكنه يُحس. وبين رحلةٍ وأخرى، يُثبت الناس قدرتهم على التكيّف، وأن الروابط الإنسانية -مهما كانت عابرة- تظل قادرةً على منح الحياة معنى، ولو لساعةٍ واحدة.

كاريكاتـــــير