شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م13:34 بتوقيت القدس

أمام خيمته ثمار الأمل أينعت

محمد نصير بقدمٍ واحدة يزرع أرضاً تفهمه

26 مارس 2026 - 11:53

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

من بعيد، قد يبدو المشهد بسيطًا: شاب يزرع أمام خيمته بقدمٍ واحدة، لكن عند الاقتراب منه، تظهر التفاصيل بما يتجاوز شعارات الصمود: حركةٌ بطيئة بسبب الإصابة، تعبٌ واضح، ومحاولات مستمرة لإنهاء ما بدأه أول اليوم.

هذه الرقعة من الأرض، تحوّلت من مكان غطّاه غبار الحرب وركام المنازل إلى مساحة مليئة بالمزروعات والأشجار الخضراء الصغيرة، حيث يحاول محمد نصير أن يسترجع شيئًا من الماضي الذي أُجبر على التخلي عنه جراء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

"الحمد لله أني نجوت، لكن: فقدتُ ساقي، وخسرت كل ما كنت أخطط له، لأجد نفسي أمام واقعٍ مختلف تمامًا: خيمة، وأرض جرداء، وجسد لم يعد كما كان".

كل صباح، ينهض ليقف بقدمٍ واحدة دون أن يسمح للاستسلام بالتفاوض معه، بعد أن طاله قصف إسرائيلي فقدَ في إثره قدمه اليسرى. والمفارقة أن الجميع حينها ظنوا أنه فارق الحياة، وكادوا يبكون رقمًا جديدًا في قائمة الضحايا، وفجأة ارتسمت بسمة النجاة على الوجوه حين تحركت يد الشاب معلنةً عن "إشارة حياة".

يقول محمد لـ"شبكة نوى": "الحمد لله أني نجوت، لكن حياتي لم تعد كما في السابق. فقدتُ ساقي، وخسرت كل ما كنت أخطط له، لأجد نفسه أمام واقعٍ مختلف تمامًا: خيمة، وأرض جرداء، وجسد لم يعد كما كان".

بدأت الحكاية عندما نثرَ بعض بذور البندورة، فإذ بعددٍ كبير من الشتلات ينبت من الأرض، وقتئذ أدرك أنه حان وقت العودة لممارسة الزراعة كما كان يفعل قبل الحرب في بلدة بيت حانون، شمال قطاع غزة، التي دمّرها الاحتلال كاملةً.

يجلس على كرسي، ويسند الجزء المتبقي من قدمه التي أُجريت لها عدة عمليات جراحية، انتهت ببترها على ثلاث مراحل، وبخطوات متوالية: ينكش الأرض، يلقي البذور، ثم يرويها.

نظرة رضا صادفت انعكاس أشعة الشمس على عينيه وهو يضيف: "لا أملك في عملي سوى حفناتٍ من التراب، وأدوات بسيطة، وجسدٍ أنهكه الألم. ومع ذلك، لم تنسى يداي السبيل إلى صناعة الحياة، فغرستا أول شتلة ولن تتوقفا".

كل صباحٍ، يجلس أمام خيمته، معتمداً على قدمه، وإلى جانبه أدواتٍ بسيطة للزراعة. يبدأ يومه بهدوء؛ يحفر قليلًا، يزرع، ويسقي.. محاولات يومية لإبقاء هذه الأرض حيّة.

كل صباحٍ، يجلس أمام خيمته، معتمداً على قدمه، وإلى جانبه أدواتٍ بسيطة للزراعة. يبدأ يومه بهدوء؛ يحفر قليلًا، يزرع، ويسقي، ثم ينتظر. لا شيء معقد، فقط محاولات يومية لإبقاء هذه الأرض حيّة.

ودائماً ما يكرر عبارةً بات يحفظها كل من يخالطهم: "الأرض تفهمني. كلما لمستها، شعرت أنها ترد علي بطريقتها"، وبناءً عليه ليس غريباً أن تغدو القطعة الصغيرة قبالة خيمته مساحةً خضراء، حيث النباتات تنمو والأمل يكبر.

ومن اللافت، أن محمداً لا يتردد في توزيع ما ينتجه من حصاد على جيرانه وأصدقائه. وتملؤه الرغبة في العودة لما كان عليه قبل الحرب من نشاطٍ وهمة، مؤكداً: "لدي إيمانٌ عميق أن زراعة الأرض تحمل سحراً، بقدرتها على محو الألم وتبديل الوجع برسالة صمود".

قصة محمد نصير تثبت أن الأزمات قد تجعل المرء أكثر قوةً وإصراراً على مواصلة الطريق. وصحيحٌ أن بعض التحديات قد يكون من الصعب التغلب عليها أو حتى التعايش معها، إلا أنه على الأقل يمكن أن يشعر بمحاولاته الدؤوبة أن له أهميةً تُذكر وقد يستطيع تغيير الحياة للأفضل، مهما اختبرته في أحبَّ ما يملك.

كاريكاتـــــير