شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م13:33 بتوقيت القدس

الاحتلال يسخر من مريض نفسي لم يكشف عن مصيره

"فلسطيني للبيع".. صورةٌ لـ"طرف خيطٍ" تُعذّب أمًا

25 مارس 2026 - 12:09

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في الآونة الأخيرة، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي بصورةٍ لشاب من غزة، اسمه محمد شراب، عمره واحدٌ وأربعون عاماً، سخر منه جنود الاحتلال بتعليق صادم، كتبوه باللغة العبرية: "فلسطيني للبيع"، لتهزأ "إسرائيل" من جديد بكل القوانين الدولية والحقوق الإنسانية التي تحظر اعتقال مريض يعاني من اضطرابات نفسية.

يرتدي محمد في الصورة لباساً أبيض، يظهر معصوب العينين، مكبّل اليدين والقدمين، كرامته مهانة. فبعد فقدانه منذ أكثر من عامٍ ونصف، شاءت الأقدار أن تتعثر ابنة عمه بصورته في أثناء تصفحها مواقع التواصل، في حين كانت أمه قد ذَوت من الحزن، تنتظر أن تعرف عنه أي خبر، وما أن رأت الصورة اجتاحها القهر دون شفقة.

تقول لـ"نوى" بصوت دامع: "لم أستطع تحمل رؤية ابني تُنتهك كرامته بهذه الطريقة الوحشية"، وتساءلت: "أين المؤسسات الحقوقية مما يحدث لابني المريض؟".

"هل عرفته بمجرد أن رأيتِ الصورة؟"، سؤالٌ لا محل له من الإعراب عند أم محمد التي أجابت فوراً: "كيف لا أعرفه! عرفته من فمه ولحيته الخفيفة وجبينه، وركضت لأخبر أولادي، تسبقني صرختي: "محمد.. والله ابني محمد".

امتزجت مشاعر المرأة المسنة بين حزنٍ وفرح. لقد أمسكت بطرف خيطٍ أخيراً لكن دون أن يطمئنَّ فؤادها على بِكرها، فبقيت عالقةً في المنتصف. تصف حالها: "أنا تائهة، ابني في السجن ولا أعرف مكان احتجازه، تُرى هل ما زال حياً؟ وماذا عن وضعه الصحي والنفسي؟ وما من مجيب".

انتصف الليل ولم يعد محمد، شعَرت الأم بأن ثمة خطبٍ ما، ودعت الله ألا يكون في عداد المفقودين.. "النار تأكل قلبي ولم تهدأ حتى اللحظة.. وين راح؟".

فعلت أم محمد أقصى ما بوسعها، في سبيل أن تصل لأي خبر عن ابنها، تواصلت مع المحامين في الداخل المحتل، وكان ردهم أن "الأمر سيستغرق وقتاً"، فالاحتلال يتعمد التعتيم، حسبما تضيف.

بحثت العائلة عنه في كل شبر، فمنذ اللحظة الأولى لفقدانه، سألت عنه في المستشفيات ومقار الصليب الأحمر والمراكز الحقوقية والإنسانية، حتى المناطق التي ينسحب منها جيش الاحتلال بعد كل اجتياح، كان يهرع الإخوة إليها علّهم يجدون أثراً له، تقول الأم.

بدأت القصة في التاسع عشر من أغسطس/آب عام 2024، عندما قرر محمد الذهاب إلى بيته الذي أضحى ركاماً في خان يونس جنوب قطاع غزة. تحكي والدته لـ"نوى" عن آخر مرةٍ رأته فيها: "تناول طعامه وطلب مني أن أجهز ملابسه استعداداً للاستحمام، ثم خرجَ بعد أذان العصر ولم يتفوّه بكلمة".

انتصف الليل ولم يعد محمد، شعرت الأم بأن ثمة خطبٍ ما، ودعت الله ألا يكون يوماً في عداد المفقودين، مضيفة: "النار تأكل قلبي ولم تهدأ حتى اللحظة، الدموع تنهمر من عينيَّ بلا توقف، وسؤال: "وين راح؟" لم يفارقني"، وليتها وجدت جواباً يريحها.

المعلومة الوحيدة التي وصلتها من أحد الأقارب، على النحو الآتي: "وجدته عند منطقة "فِش فرش" في رفح، وهي آخر نقطة يمكن الوصول إليها، وما بعدها تُعد منطقة خطرة، ثم أوصلته إلى منطقة "دوار الأقصى" في خان يونس، وتركته بعدها ليعود إلى البيت بمفرده"، وقبل أن يصل إلى البيت، هاتفَ أمه قائلاً: "هيني مرّوح يما"، فقالت بلهفة: "بستناك يا حبيبي". وكانت تلك آخر مرة سمعت فيها صوته.

مضى عامٌ وسبعة شهور على ذلك اليوم، وما زالت أم محمد تنتظر ولدها عند عتبة البيت، ما بين الصدمة والأمل في أن يعود لحضنها، لكن ما من بصيص أملٍ يُبددّ خوفها وقلقها. تصمت قليلاً ثم تتذكر شيئاً: "درس محمد ثلاثة أعوام في الجامعة، في تخصص التعليم الأساسي، وكان يعرف طريق العودة إلى البيت بمفرده".

وفي كل يومٍ تقتلها الأسئلة ولا تكف عن الدوران في رأسها: "ترى هل هو في عِداد الشهداء أم المفقودين أم الأسرى؟.. وتغالب الأم دمعها، مؤكدةً: "لم نتلقَّ أي ردٍ شافٍ من كل المؤسسات التي خاطبناها، فلا علم لأيٍ منها بمصير محمد"، وحتى اللحظة تناشد عائلة شراب جميع المؤسسات الحقوقية والمجتمع الدولي الضغط على الاحتلال للكشف عن مصير ابنها.

كل ما استطاعت العائلة فعله، طباعة صورة محمد وإرفاق أرقام الهواتف، للاتصال بها في حال تعرَّف عليه أحد ليخبر عن أي طرف خيط، أو حتى آخر نقطة شُوهد فيها. فيما الجيران والأصدقاء طوال الوقت ينصحون الأم بالدعاء له بالرحمة واستخراج شهادة وفاةٍ له، لكن قلبها لا يطاوعها، وكلمتها ثابتة لا تتغير: "ابني لم يمت"، يعقبها سؤال استنكاري: "'كيف أترّحم عليه وأنا لم أدفنه؟".

بيت الشعر القائل: "وإنّما أولادنا بيننا أكبادُنا تمشي على الأرضِ.. لو هبت الريحُ على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمضِ"، يأخذ منحى آخر في غزة؛ حيث تتمنى الأم ألا يتفتّت كبدها حزناً على ابنها، كما في حكاية أم محمد، فأقصى ما تريده أن تعرف مصيره، مفصحةً عن أمنيتها: "قبل أن يسترد الله أمانته، أتمنى أن أعرف في أي سجنٍ يُعتقل محمد، وأن يثلج أحدٌ صدري فيطمئنني على حاله". وما تلبث أن تواسي نفسها: "أن يكون أسيراً أفضل من أن يكون مفقوداً، ولا بد أن يُفرج عنه يوماً وأكحّل عيني برؤيته".

كاريكاتـــــير