الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يبدو أبو محمد الهيموني مستاءً حد الاشمئزاز من النفايات المتكدّسة في شوارع الخليل، فالوضع لا يُطاق كما يصفه، والروائح المنبعثة من أكوامها تخنق الأنفاس، يقول المواطن الذي يقطن البلدة القديمة.
ويؤكد الهيموني أن الحشرات والقوارض انتشرت في كل زاوية انتشاراً مرعباً، مما يثير خوف السكان على صحة أطفالهم وكذلك على كبار السن. فيما يزداد الواقع سوءاً حين تجرف الأمطار النفايات إلى مصافي المياه، وتؤدي إلى إغلاقها، حسبما يضيف، ثم تحتدّ نبرته بقوله: "يجب أن تتحرك الجهات المعنية فوراً لإنقاذنا من هذا الوضع الكارثي".
سكان المدينة المعروفة بعراقتها التاريخية، يواجهون أزمةً بيئية وصحية لم يسبق لهم المرور بها، بتحوّل شوارعها وأزقتها التي كانت تضجّ بالحياة والنشاط إلى مكبّات للنفايات.
فبعد التوترات الإقليمية الأخيرة التي أعقبت حرب إيران، وألقت بظلالها الثقيلة على المنطقة بأسرها، وجدت "خليل الرحمن" نفسها في مشهدٍ لم يكن مألوفًا يوماً لسكان المدينة المعروفة بنشاطها التجاري وعراقتها التاريخية، ليواجهوا أزمةً بيئية وصحية لم يسبق لهم المرور بها، بتحوّل شوارعها وأزقتها التي كانت تضجّ بالحياة والنشاط إلى مكبّات للنفايات.
ونجمَ هذا التدهور البيئي عن إغلاق الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي تحيط بالمدينة من كل جانب، مما يعيقُ حركة شاحنات جمع النفايات، ويمنعها من الوصول إلى "مكبّ المنيا" الرئيس، الواقع خارج حدود المدينة الإدارية.
وتشير الأرقام إلى حجم الكارثة وتأثيرها المتزايد على الحياة اليومية للمواطنين. ووفقًا لحديث دياب الجنيدي، رئيس قسم الصحة والبيئة في بلدية الخليل، فإن المدينة كانت ترّحل يومياً أكثر من 400 طن من النفايات في شهر رمضان، باعتباره الشهر الذي يشهد عادةً زيادةً في تدفق النفايات المنزلية.
لكن، مع إغلاق الحواجز المفاجئ، انخفضت هذه الكمية من الترحيل إلى نحو مئتي طنٍ فقط، أي ما يعادل نصف الكمية المعتادة. وبالتالي، أدى هذا التراجع في القدرة على التخلص من النفايات إلى تراكمها على نحو غير مسبوق في الأحياء السكنية والأسواق والمناطق، ما يهدّد الصحة العامة للسكان ويشوّه المنظر الحضاري للمدينة لأول مرة بهذا الشكل.
يتطرق الجنيدي في حديثه إلى مقدار التحدي الذي تواجهه البلدية: "ظهرت أزمة النفايات منذ بدء حرب إيران، وسرعان ما تفاقمت. نحن نواجه تحديًا جسيماً أمام إغلاقات الاحتلال للحواجز التي تمنع شاحناتنا من الوصول إلى المكب الرئيس، هذا الوضع يضعنا أمام مسؤولية كبيرة للتحرك من أجل الحفاظ على صحة وسلامة المواطنين".
البلدية لجأت إلى حلٍ مؤقت وطارئ، بتأمين قطعة أرض داخل المدينة لتجميع النفايات، ومن ثم تُحمّل في شاحنات خاصة لنقلها إلى المكب الرئيس بعد التنسيق مع الجهات المعنية.
وأفاد أن البلدية لجأت إلى حلٍ مؤقت وطارئ، بتأمين قطعة أرض داخل المدينة لتجميع النفايات فيها تأميناً مركزياً، ومن ثم تُحمّل في شاحنات خاصة لنقلها إلى المكب الرئيس بعد التنسيق مع الجهات المعنية، مشيراً إلى أن هذه الخطوة رغم أهميتها لتخفيف الضغط عن الشوارع، إلا أنها ليست حلاً جذريًا لمشكلة تتطلب فتح المعابر فتحاً دائماً وغير مشروط.
إنها أزمةٌ لا تبدو عابرةً في حياة المواطنين، ومنهم ناهد غيث، وهي أمٌ وربة منزل، حيث تشاركنا قلقَها العميق الذي تعيشه كل يوم، قائلةً: "أبسط مثال: لم يعد بمقدورنا فتح النوافذ في منازلنا بسبب الرائحة الكريهة التي لا تُطاق. أطفالي يعانون الحساسية وأخشى عليهم من إصابتهم بالأمراض بسبب النفايات المتراكمة، ما يحدث انتهاك لأبسط حقوقنا في بيئة نظيفة وصحية".
وطالبت غيث بفتحٍ عاجلٍ للحواجز ودون تأخير، فسكان الخليل فاض بهم الكيل، وفقاً لكلامها، جراء حصارهم بإغلاقات الاحتلال القاسية وتراكم النفايات الذي يهدد حياتهم.
تتجاوز انعكاسات أزمة النفايات "الروائح الكريهة والانزعاج من مشهد يؤذي العين والنْفس معاً"، لتشمل مخاطر صحية وبيئية طويلة الأمد. فانتشار النفايات يؤدي إلى تكاثر القوارض والحشرات، وعلى رأسها الفئران والذباب والبعوض، ما يزيد إلى حدٍ كبير من احتمالية تفشي الأمراض المعدية، خاصةً مع ضعف البنية التحتية الصحية في بعض المناطق المحاصرة.
كما أن حرق النفايات، الذي يضطر إليه بعض المواطنين في خطوةٍ يائسة للتخلص منها، يزيد تلوث الهواء ويُسبّب أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، مما يضيف عبئًا جديدًا على كاهل السكان، ناهيك عن تخريب الحاويات العامة بالحرق، حيث تصبح غير صالحة للاستخدام إذا اُستعملت للإحراق ثلاث مرات، ما يستدعي تجديدها، فتكلّف البلدية مبلغاً يتفاوت من 3 إلى 5 آلاف شيكل لشراء حاوية جديدة، حسب مختصين في بلدية الخليل.
لا يبدو تراكم النفايات "سحابة صيف" ستمر، بل أزمة إنسانية أوسع نطاقًا، تتطلب اهتمامًا جادًا من المجتمع الدولي، لضمان حق سكان الخليل في بيئة نظيفة وصحية وحياة كريمة.
إذن، يتطلب الوضع في مدينة الخليل تدخلاً عاجلاً، وبينما تسعى بلديتها جاهدةً لإيجاد حلول مؤقتة ومحدودة، يبقى الحل الفعّال مرهونًا بإنهاء إغلاقات الحواجز وفتح الطرق أمام حركة الخدمات الأساسية دون قيود.
فلا يبدو تراكم النفايات مجرد "سحابة صيف" ستمر، وإنما هي أزمة إنسانية أوسع نطاقًا، تتطلب اهتمامًا جادًا ومسؤولًا من المجتمع الدولي، لضمان حق سكان الخليل في بيئة نظيفة وصحية وحياة كريمة، بعيدًا عن التهديدات البيئية والصحية المستمرة.
























