غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
صباح اليوم لا يُشبه صباحات الأعياد السابقة عند ليان أبو عودة ذات العشرة أعوام. جلست الصغيرة على عتبة خيمة النزوح، تراقب الأطفال وهم يمرّون جيئةً وذهاباً بملابس العيد الجديدة. لم تطلب فستانًا جديدًا هذا العام، ولم تسأل أمها عن الحلوى أو "العيدية"، بل اكتفت بسؤالٍ واحد يتكرر منذ شهور: "لو أن إخوتي هنا.. هل كنا سنلهو بمرحٍ مثلهم؟".
وبينما يحاول بعض الصغار في قطاع غزة التمسك بما تبّقى من طقوس العيد، يواجه "الناجون الوحيدون" منهم تجربةً مختلفة تمامًا؛ فالعيد يحمل في ذاكرتهم أصوات إخوةٍ وأبٍ وأم رحلوا، وألعابًا لم يعد هناك من يشاركهم بها.
ليان هي الناجية الوحيدة بين أربعة أطفال في عائلتها، فقدت إخوتها الثلاثة في الحرب الأخيرة على قطاع غزة. عن أول عيدٍ يمر بعد تلك الشهور الثقيلة، تقول والدتها إن أكثر ما يؤلمها عجزُها عن محاولة تفسير معنى العيد لطفلةٍ فقدت كل من كان يصنعه لها.
تعبّر ليان عما يدور في خَلدها، فتتذكر طقوسهم قبل الحرب وتصفها بفعلٍ ماضٍ ناقص: "كانت مبهجة". تستيقظ مع أشقائها باكرًا، يرتدون ملابس العيد وينتظرون أبيهم ليوزع العيدية بعد الصلاة مباشرةً، مضيفةً: "كنا نتخانق مين ياخد أكثر. الآن ما في حدا أتخانق معه".
وتواصل حديثها ببراءةٍ ناعمة: "نفسي العيد يرجع زي قبل. نفسي لو همّا يرجعوا وتكون كل أيامي عيد، بس يمكن العيد راح معهم".
وتذكر الأم أن طفلتها أصبحت تتجنب مظاهر العيد قدر الإمكان، موضحةً: "كلما سمعت ليان أصوات الأطفال أو رأت الألعاب، تذكرت إخوتها. في الليلة الفائتة قالت لي: "يا ماما خلينا ننام بدري بكرة، نفسي أصحى ألاقي العيد خِلص".
في مخيم آخر بمدينة غزة، يجلس الطفل أحمد خضر (12 ربيعاً) أمام منزلٍ نصفه مهدّم، يُقلّب بين يديه كرةً قديمة. لم يخرج لشراء الألعاب هذا العام، ولم يذهب إلى السوق كما كان يفعل مع أبيه وشقيقيه الأصغر منه.
"بطّل في عيد، بطّل في حياة. أعيش مع جدتي التي تحاول أن تشاركني هذه اللحظات، لكنها مناسبات أتمنى ألا تأتي كي لا تفتح الذكريات جروحي".
أحمد هو الطفل الوحيد الذي نجا من عائلته بعد قصفٍ طال منزلها. يقول إن العيد كان دائمًا مناسبة منتظَرة يتقاسمها مع أبيه وأمه وإخوته، بدءًا من اختيار الملابس وحتى اللعب في الشارع.
"كنا نلعب كرة من الصبح للمغرب"، يقول أحمد وهو ينظر واجماً إلى الأرض، متابعاً: "أنا وإخوتي كنا فريقاً واحداً ضد أولاد الحارة"، يتوقف قليلًا قبل أن يكمل: "بطّل في عيد، بطّل في حياة. أعيش مع جدتي التي تحاول أن تشاركني هذه اللحظات، لكنها مناسبات أتمنى ألا تأتي كي لا تفتح الذكريات جروحي".
أما الطفلة سارة أبو القمصان (9 أعوام)، فقد نجت وحدها بعد إصابةٍ خطرة مكثت في إثرها أسابيع في المستشفى. تعيش اليوم مع جدتها في أحد مراكز الإيواء، حيث تحاول الأخيرة أن تصنع للطفلة شيئًا من بهجة العيد، ولو بوسائل بسيطة.
اشترت الجدة لحفيدتها فستانًا مستعملًا من إحدى البسطات. تقول: "فكرّت يمكن تفرح قليلًا"، لكن رد فعلها كان مختلفًا عندما ارتدته وسألتني: "هل لو لبسته ممكن يرجعو يشوفوني؟".
وما زالت سارة تتحدث مع إخوتها وكأنهم موجودون، وفي بعض الليالي تترك مكانًا بجانبها، متأملةً أنهم سيأتون ليناموا عندها، تبعاً لحديث الجدة.
سارة نفسها تقول: "أنا كنت أصغرهم، كانوا يخلوني آخذ أول وحدة العيدية. هلأ ما حدا بعطيني عيدية". تصمت ثم تُنهي بكلمات مؤثرة: "أنا بس نفسي أشوفهم".

في مخيم نزوح جنوب القطاع، يقف الطفل ياسر المدهون (11 عامًا) أمام بسطةٍ صغيرة للألعاب، ليتفحصها بحزن قبل أن يبتعد. ياسر هو الناجي الوحيد بين أشقائه الأربعة بعد أن خرج مصابًا من تحت الأنقاض.
العيد كما يراه، كان يعني أن يكون مع أفراد أسرته جنباً إلى جنب. الآن لم يعد له عائلة ولا عيدية ولا ملابس جديدة، بل طقوساً يحاول جده دمجه بها، فالفقد الذي نهشَ قلبه باستشهاد أبنائه وأحفاده بما فيهم أسرة ياسر، يدفعه لأن يفعل أي شيءٍ يدخل الفرحة إلى قلب حفيده الذي يتجرع المأساة بصمت.
حتى مطلع سبتمبر/ أيلول المنصرم، ووفقاً لبيانات وزارة الصحة في غزة، أفادت التقارير فقدان أكثر من 56 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما في الحرب.
حسب "اليونيسيف" فإنه حتى مطلع سبتمبر/ أيلول المنصرم، ووفقاً لبيانات وزارة الصحة في غزة، أفادت التقارير فقدان أكثر من 56 ألف طفل أحد والديهم أو كليهما في الحرب، ومن هؤلاء الأطفال فقدَ ما يزيد على 2500 طفل كلا والديهم. لا يمكن لأحد أن يدرك قدر المواجع التي تمر على هذا العدد الهائل من الأطفال الناجين، في أول عيد يحلّ بعد إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.
لا نستطيع القول إنه عيدٌ ثقيل فقط، فكل طفلٍ منهم يقيم حقاً في قلبه "مأتماً"- في يومٍ كهذا- لكل أحبائه، وكأن العيد رحل معهم بلا رجعة. بينما يحاول عبثاً من يتولون رعايتهم تضميد جِراح "الأمانة" التي تُركت بين يديهم، بـ"عيدية" أو ملابس جديدة أو لعبة.
























