غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في زاويةٍ ضيّقة من مطبخها بمدينة دير البلح، تنحني مريم أبو ركبة فوق قوالب الشوكولاتة، تُذيب الكاكاو ببطء، وتملأ الفراغات بحشواتٍ صنعتها بيديها.
تنتشر رائحة الكراميل في المكان، فيما تتحرك أصابعها بثباتٍ يشبه الإصرار، كأن كل قطعة تصنعها ليست مجرد حلوى، بل محاولة جديدة لانتزاع حياةٍ ممكنة من قلب واقعٍ قاسٍ.
لم تكن هذه البداية الأولى لمريم، لكنها كانت الأكثر صعوبة. قبل الحرب، كانت تعمل في صناعة الكيك والجاتوه، وتسوق منتجاتها عبر صفحة على مواقع التواصل الاجتماعي،أطلقت عليها اسم سكر وأكثر، تبني مشروعها خطوةً خطوة، لكن مع اندلاع الحرب، وانقطاع الكهرباء، واختفاء المواد الخام، توقّف كل شيء دفعة واحدة، وكأن مشروعها أُطفئ كما أُطفئت الأضواء في المدينة.
لم يكن التوقف مجرد خسارة عمل، بل انقطاعًا عن حلمٍ كانت تمسك به بكل ما تملك. مرّ عامان ثقيلان، تغيّرت خلالهما ملامح الحياة بالكامل، زوجها موظف حكومي، لكن الدخل الذي يحصل عليه بالكاد يُقبل في السوق، وسط انهيار القدرة الشرائية.
تقول مريم: "اضطررت للعودة إلى العمل بعد توقف مشروع الكيك، خاصةً مع انقطاع الكهرباء الذي منعني من الاستمرار فيه (..) بدأت أبحث عن مشروع يناسب التغيرات الحالية".
وحين أُعلن وقف إطلاق النار، وبدأت بعض المواد الخام تتوفر من جديد، وجدت في الشوكولاتة فرصةً للبدء من جديد، ولكن بشروطٍ أصعب.
لم تنتظر كثيرًا، لجأت إلى الدورات المجانية عبر الإنترنت، لتستعيد ما تعرفه، وتتعلم ما ينقصها، ثم عادت إلى مطبخها، المكان الوحيد الذي تملكه، لتبدأ منه مشروعها من الصفر.
هناك، بين أدوات بسيطة وصفحة على "فيسبوك"، بدأت حكاية جديدة، لا تشبه السابقة إلا في إصرارها.
لكن الطريق لم يكن ممهّدًا، تأمين المواد الخام تحوّل إلى معركة يومية، فبعضها يتوفر في غزة، وبعضها الآخر في خانيونس، وتكاليف النقل مرتفعة.
أما المواد الأساسية، مثل قوالب الأكريليك والألوان الخاصة، فتكاد تكون مفقودة، ما يقيّد شكل المنتجات ويحدّ من تنوّعها.
تقول: "في بداية الحرب، اضطررت لبيع العجّانة وبعض الأدوات لتأمين احتياجات المنزل، وعندما حاولت شراءها مجددًا، وجدت أسعارها قد تضاعفت، وحتى الميزان الإلكتروني والمواد الخام، كلها باهظة، ما اضطرني للاستدانة لبدء المشروع من جديد".
تعمل مريم دون أي دعم خارجي، ما يجعل كل خطوةٍ إلى الأمام مشروطة بقدرتها على تحمّل المزيد من الأعباء، ورغم ذلك، لم تتراجع. فقد وجدت في تفاعل الزبائن مع منتجاتها ما يشبه الضوء في نهاية النفق.
ردود الفعل الإيجابية، وإن كانت بسيطة، منحتها دفعة معنوية للاستمرار، فصارت توثّق عملها عبر مقاطع فيديو، تحاول الوصول إلى جمهور أوسع، خاصة مع اقتراب عيد الفطر، حين يرتبط الطلب على الحلويات بفرحٍ يحاول الناس التمسك به.
تضيف مريم: "هذا العمل يمنحني طاقة إيجابية، وردود فعل الزبائن تزيد من ثقتي بأنني أسير في الطريق الصحيح".
لا ترى في مشروعها مجرد مصدر دخل، بل مساحة لإثبات الذات، ووسيلة لتحدّي واقعٍ يحاول تقييدها، لذلك، تحرص على أن تحمل منتجاتها بصمتها الخاصة. تكمل: "لا أستخدم الحشوات الجاهزة، بل أصنعها بنفسي، وهذا ما يجعل طعم منتجاتي مختلفًا".
بهذا الاختلاف، تراهن على تميّزها، وعلى قدرتها على البقاء. تعمل اليوم بمفردها، في مساحةٍ محدودة، لكن أحلامها تتجاوز حدود المطبخ.. تتخيّل مشغلًا صغيرًا، وفريق عمل، وإنتاجًا أكبر يصل إلى المحلات والمولات، وتطمح لأن يتحوّل مشروعها إلى علامة تجارية معروفة.
حلمها لا يقف عند البيع، بل يمتد إلى بناء هوية كاملة لمنتجها، تحمل اسمها وتعبّر عنها. تحاول الاقتراب من هذا الحلم، ولو بخطوة.
تخبرنا أنها تواصلت مع إحدى المطابع لطباعة مغلفات تحمل علامتها الخاصة، لكن الشروط كانت أكبر من قدرتها، إذ طُلب منها إنتاج ألف قطعة دفعة واحدة، وهو ما يشكّل عبئًا ماليًا لا تستطيع تحمّله.
وتزيد: "اعتمدت على التغليف اليدوي بأفكاري الخاصة، وأجّلت حلمي مؤقتًا".

في نهاية يومها، تعود مريم إلى طاولتها، ترتّب القوالب، وتراقب ما أنجزته بيديها. تقول: "اتبعت حلمي وعدت للعمل عبر مشروع صغير، بإمكانات بسيطة (..) ما يحركني هو الإيمان بأنني قادرة على تغيير واقعي، رغم كل المعيقات، وأنا على يقين أن الإنسان المجتهد سيصل يومًا ما".
الشوكولاتة التي تصنعها مريم ليست مجرد حلوى، بل شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة، وإصرارًا على أن للحلم مكانًا، حتى في أكثر الزوايا ضيقًا.
























