شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م13:33 بتوقيت القدس

أسعارها لا تتناسب وأحلام الناجين من الحرب..

ملابس العيد بغزة.. "كيف للفرح أن يكون بعيدًا هكذا؟"

19 مارس 2026 - 08:00

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

منذ ساعات الصباح الأولى، خرجت سها كلوب (35 عامًا) تجوب المحال القليلة التي ما زالت تفتح أبوابها في مدينة غزة، باحثة عن فستان عيدشيرين لطفلتها ماريا (9 سنوات).

الوقت يضيق، والعيد على الأبواب، لكن الأسعار كانت أعلى من أن تُحتمل، كأن الفرح نفسه بات سلعةً بعيدة المنال.

لم تكن رحلة البحث هذه عادية. في كل متجر تدخله، كانت سها تصطدم بالأرقام قبل الألوان، وتعود خطوة إلى الوراء، تُقلب الاحتمالات في رأسها، ثم تخرج كما دخلت: بيدين فارغتين وقلبٍ أثقل.

"فقد زوجي عمله خلال الحرب، وأصبحنا نعتمد على المساعدات، نعيش في خيمة تفتقد لأبسط مقومات الحياة".

تقول: "فقد زوجي عمله خلال الحرب، وأصبحنا نعتمد على المساعدات، نعيش في خيمة تفتقد لأبسط مقومات الحياة"، مردفةً: "عاد إلى عمله لاحقًا، لكن دخله شحيح، وأطفالي حالتهم النفسية متعبة، كل ما نريده أن نفرحهم قليلًا بملابس العيد بعدما حُرموا منها العام الماضي".

منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين أول/ أكتوبر 2023م، تغيّرت ملامح الحياة في قطاع غزة. بيوتٌ دُمّرت، وأحياءٌ أُزيلت، وعائلاتٌ انتقلت إلى الخيام، حيث لا مساحة للخصوصية ولا قدرة على استعادة إيقاع الحياة.

ومع اقتراب عيد الفطر، يتقاطع ثقل الحرب مع رغبةٍ بسيطة في إدخال الفرح إلى قلوب الأطفال، رغبة تصطدم كل مرة بواقع اقتصادي أكثر قسوة.

أبناء سها حصلوا على بعض الملابس عبر المساعدات، لكن ماريا بقيت دون فستان. تخبرنا الأم أن ما هو متوفر "ليس بالجودة المطلوبة، ومع ذلك تصل أسعار فساتين الأطفال إلى 170 شيكلًا".

وبينما كانت تحاول إقناع نفسها بالانتظار، تدخلت ماريا بصوتٍ لا يخلو من رجاء: "لم أحصل على فستان في العيد الماضي، وأريد أن أشتري كما كنا قبل الحرب، ملابسي أصبحت قديمة، وفستان العيد يجعلني أفرح وألعب".

في نهاية يومٍ طويل، لم تنتصر القدرة الشرائية لسها، لكن انتصر شيء آخر. وافق صاحب أحد المحال على أن تأخذ الفستان وتؤجل الدفع، لم يكن ذلك حلًا اقتصاديًا، بقدر ما كان محاولة لإنقاذ لحظة فرحٍ صغيرة من الانكسار.

هكذا عادت سها إلى خيمتها، تحمل كيسًا واحدًا فقط، لكنه كان أثقل من كل ما عجزت عن شرائه.

على بُعد كيلومترات من المشهد، كانت أم أحمد صيام (63 عامًا) تخوض الرحلة ذاتها في سوق دير البلح، لكن بدافعٍ مختلف.

منذ استشهاد ابنها في الأشهر الأولى من الحرب على قطاع غزة، وجدت نفسها مسؤولة عن خمسة أحفاد، ثلاثة منهم أبناء الشهيد.

تقول لـ"نوى": "نعيش في خيمة بعد أن فقدنا منزلنا في غزة، وعليّ أن أوفر ملابس العيد لهم جميعًا. لدي راتب، لكنه بالكاد يكفي، ومع ارتفاع الأسعار أصبح الأمر فوق طاقتي، لكنني أريد أن يفرحوا، حتى لو اضطررت للضغط على نفسي".

تشير إلى أحفادها الجالسين قربها في الخيمة، وتضيف بصوتٍ يختلط فيه التعب بالعجز: "حالتهم النفسية معقدة، لقد فقدوا والدهم، وانقطعوا عن التعليم، ويقضون وقتهم بين طوابير المياه والتكايا. ملابس العيد ليست رفاهية بالنسبة لهم، بل لحظة تخفف شيئًا من هذا الثقل، لكن معظم الناس اليوم لا يستطيعون توفيرها".

وفي سوق دير البلح، لا يحتاج الزائر إلى سؤال ليدرك حجم الأزمة، فالأسعار تتراوح بين 120 و200 شيكل لقطعة ملابس الأطفال، وترتفع أكثر لدى البالغين.

وبين الباعة، تتردد همهمات الزبائن، تعليقات مقتضبة، وعبارات استياء لا تجد طريقها إلى حل، الجميع يسأل السؤال ذاته: كيف يمكن لفرحة بسيطة أن تصبح بهذا البعد؟

في المقابل، ينفي التاجر جودت الكتناني أن تكون الأسعار مرتفعة مقارنة بالعام الماضي، موضحًا أن الوضع حينها كان أشد قسوة بسبب إغلاق المعابر والاعتماد على المخزون القديم.

يقول إن المعروض حاليًا مستورد وجديد ويوفر تنوعًا أكبر، لكنه يعود ليشير إلى أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بالتجار بقدر ما يرتبط بتكاليف إدخال البضائع.

تاجر: "تكلفة "المشطاح" ارتفعت من ألف شيكل قبل الحرب إلى آلاف الدولارات اليوم، إضافة إلى تكاليف الشحن والتخزين، وهي أعباء تُضاف في النهاية إلى سعر السلعة".

يشرح الكتناني أن تكلفة "المشطاح" ارتفعت من ألف شيكل قبل الحرب إلى آلاف الدولارات اليوم، إضافة إلى تكاليف الشحن والتخزين، وهي أعباء تُضاف في النهاية إلى سعر السلعة. وبينما يبرر، يعترف ضمنيًا بأن النتيجة واحدة: المستهلك هو من يدفع الثمن.

من جانبه، يضع المحلل الاقتصادي أحمد أبو قمر هذه الظاهرة في سياق أوسع، مشيرًا إلى أن ما يُعرف بـ"تنسيقات التجار" تحوّل إلى سوق موازية تُسهم في رفع الأسعار بشكل غير مسبوق. "فعدد محدود من التجار يتحكم بإدخال السلع إلى قطاع يضم نحو 2.4 مليون إنسان، ما يضعف المنافسة ويمنحهم قدرة على التأثير في السوق".

ويضيف أن تكلفة إدخال شاحنة واحدة قد تتجاوز نصف مليون شيكل، وهي تكلفة لا تقتصر على البضائع، بل تشمل أيضًا تصاريح إدخالها، ما ينعكس مباشرة على الأسعار.

تشير التقديرات إلى أن إجمالي الأموال المدفوعة مقابل هذه التنسيقات تجاوز مليارًا وربع المليار دولار منذ بدء الحرب، في مؤشر على تحوّل إدخال السلع ذاته إلى تجارة قائمة بذاتها.

وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الأموال المدفوعة مقابل هذه التنسيقات تجاوز مليارًا وربع المليار دولار منذ بدء الحرب، في مؤشر على تحوّل إدخال السلع ذاته إلى تجارة قائمة بذاتها.

في ظل هذا الواقع، ومع تراجع عدد الشاحنات الداخلة إلى أقل من ربع احتياجات القطاع، وارتفاع الطلب بشكل كبير، قفزت أسعار العديد من السلع إلى أكثر من خمسة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.

في خيمة سها، تضع ماريا فستانها الجديد جانبًا، تلمسه بين حين وآخر، كأنها تتأكد أنها لا تحلم. وفي خيمة أم أحمد، ينتظر الأطفال وعدًا لم يأتِ بعد.. وبين هاتين الخيمتين، يتكرر المشهد ذاته في آلاف القصص، عائلات تحاول أن تنتزع من العيد ما تبقى من معناه، بينما يتسع الفارق بين الرغبة والقدرة. في غزة، يبدو أن الفرح، مثل أشياء كثيرة، صار مؤجلًا، أو مقسطًا على قلوبٍ أنهكتها الحرب.

كاريكاتـــــير