غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يشتهي أهالي غزة أن تزدان موائدهم بـ"أطباقٍ مُدّللة" من الخُضرة أو باللهجة الدارجة "من خير الأرض". فالأسواق شبه خاليةٍ من الخضراوات، وأراضي القطاع المُدمر هجرَتها الزراعة منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر، حيث حُرم المزارعون من فِلاحة أراضيهم، بعد سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على مساحة تبلغ 60 في المئة من القطاع.
وبالنظر إلى ما يُعرف بـ "المنسق" فإنه يعلن عن فتح وإغلاق معابر غزة على هواه، وفق سياسةٍ تنتهج تجويع السكان وإدخال كميات شحيحة من أصناف محددة من الخضراوات، ما فاقمَ معاناتهم.
"نمر جميعاً بأيام قحط، فلا يوجد ما يُشبع بطون الصائمين، ولو توفرت كمية ضئيلة من الخضراوات في السوق، تكون بأسعار مرتفعة ليشقّ على رب الأسرة شراؤها".
تجلس المواطنة أم عمر الكويفي حائرةً أمام باب المخزن الذي نزحت إليه، تفكر فيما ستطبخه لأطفالها. وبحسرةٍ لا تغادر القلب تقول لـ"نوى": "بلغ بنا الحال أن نعقد مقارنةً مؤلمة بين ما كنا عليه قبل الحرب وما بعدها، كلنا نفتقد لما كانت تبدعه أيادينا في طهي الأكلات والتنويع في إعداد السلطات والحِساء".
نرى الدمع محبوساً في عيون أم عمر التي ما فتأت تنظر لماضٍ لا تتفاءل بعودته، ولا تملك منه سوى الذكريات، وهذه إحداها: "كنت أذهب للتسوق وما عليّ إلا أن "أنقّي وأختار" مستمتعةً بكل لحظةٍ في مشواري المفضل. كل أنواع الخضار كانت بكميات فيها من الوفرة والبركة، وبأسعار تناسب المواطنين. أين نحن من هذا كله!".

تسأل المرأة نفسها وتجيب كذلك في حديثٍ لا ينقطع، تتابعه بقولها: "نمر جميعاً بأيام قحط، فلا يوجد ما يُشبع بطون الصائمين، ولو توفرت كمية ضئيلة من الخضراوات في السوق، تكون بأسعار مرتفعة ليشقّ على رب الأسرة شراؤها لعدم توفر مصدر الدخل".
وتأمل السيدة أن يأتي النهار الذي تتوقف فيه نساء غزة عن الاعتماد على "تكيات خيرية" تحتوي في معظم وجباتها على البقوليات.
أبو رامي الأسطل، أحد المزارعين الذين انقطعت بهم السبل، فكل الأراضي التي كان يُشرف على زراعتها منذ عشرين عاماً، التهمتها إسرائيل. لم يتردد في أن يشكو سوء حاله لـ"نوى" قائلاً: "لسنواتٍ طوال عملتُ في أراضي المحررات جنوبي القطاع، أهرع كل صباح لزراعة الخضراوات والحمضيات والفواكه، وفي آخر اليوم أعود سعيداً ومعي قوت عائلتي"، مضيفاً: "كنت أغدق على بيتي بخيرات الأرض، ولا شيء أهنأ من هذا".
"ساق الله أيام زمان كان الخير كثير، لا تستغني سُّفرة أيٍ منا عن السلطة، حتى المولخية افتقدناها في أول أيام الشهر الفضيل لنأخذ منها الفأل الحسن".
لكن، منذ شُنّت الحرب وأبو رامي يشتهي كل ما كان يزرعه، موضحاً في حديثه لنا: "ساق الله أيام زمان كان الخير كثير، لا تستغني سُّفرة أيٍ منا عن السلطة، حتى المولخية افتقدناها في أول أيام الشهر الفضيل لنأخذ منها- كما جرت العادة- الفأل الحسن، كل هذه الطقوس حُرمنا منها".
ويخبرنا بحزنٍ خيَّم على صوته: "ما يقهرني أنا وكل المزارعين، أنهم لم يتركوا لنا أرضاً نزرعها، حتى المناطق الفارغة أضحت الآن مخيمات للنازحين"، لافتاً إلى أن الأراضي التي تقع على البحر مساحتها صغيرة، وزراعتها لا تكفي احتياجات السكان.
حتى بذور النباتات ولوازم الزراعة عموماً لم تعد تتوفر في القطاع، إلى حين أن يسمح الاحتلال بإدخالها عند فتح المعابر، تبعاً لقوله.
علماً أن الأراضي الشرقية لقطاع غزة والممتدة من بيت حانون شمالاً حتى رفح جنوباً، التي كان المزارعون يعتمدون عليها في زراعة الخضراوات ومشاتل الفراولة والحمضيات واللوزيات، أصبحت تحت سيطرة الاحتلال.

يجلس أبو رامي على كرسي أمام خيمته ويكاد يتمزق من الغضب. لقد نفدت أمنيات الرجل من رصيده، باستثناء أمنيةٍ واحدة: أن يعود للزراعة وينهض من جديد للإنفاق على أسرته، وأن تدور عجلة الحياة مُجدداً بتمكين المزارعين من تصدير ما ينتجونه إلى خارج أسوار القطاع المحاصر.
ببضع كلمات يُنّفس لعله يرتاح قليلاً: "انهارت حياتي بخسارة عملي. أصبح كل همي بعد نزوحي من بيتي خيمةً تأوي عائلتي". يصمت للحظات ثم يزيد بقوله: "أنا مش قادر ألبي متطلبات ولادي، وكل أكلنا معلّبات".
من جانبه، أفاد محمد أبو عودة المتحدث باسم وزارة الزراعة، أن القطاع الزراعي كان يعمل فيه قبل الحرب 55 ألف مزارع يعتمدون على حرفة الزراعة باعتبارها مصدر رزق أساسي، لكن الآن 90 في المئة منهم خسروا عملهم.
"يحتاج السكان في غذائهم إلى الخضراوات بمختلف أنواعها، وغزة يا للأسف لا تنتج في الوقت الراهن أيًا منها".
وفي السياق ذاته، يذكر أبو عودة: "يحتاج السكان في غذائهم إلى الخضراوات بمختلف أنواعها، وغزة يا للأسف لا تنتج في الوقت الراهن أيًا منها"، مؤكداً أنها تعتمد فحسب على ما يسمح الاحتلال بإدخاله من كميات شحيحة جداً.
وقد دمّر الاحتلال معظم مساحة الأراضي الزراعية، فيما الجزء الضئيل المتبقي منها يُحظر الوصول إليه، والكلام له، مبيناً: "قبل الحرب كان هناك 186 ألف دونم مُخصص للزراعة، أما الآن لا تتعدى المساحة التي يُزرع فيها 10 في المئة".
من المحزن اختفاء مواسم الزيتون والفراولة والعنب والحمضيات والخضراوات على مدار عامين وحتى اللحظة، كما يقول، معرباً عن أسفه لأن "القيود الإسرائيلية ضاعفت من تدهور الإنتاج الزراعي، جراء منع إدخال أي مستلزماتٍ خاصة بالزراعة".
























