شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م15:20 بتوقيت القدس

فقد عينه وسمعه وتناثرت في جسده الشظايا..

لاعب "باركور" تحاصره لحظة "انفجار": "هذه ليست صورتي"

16 مارس 2026 - 08:00
لاعب الباركور الجريح محمد أبو عودة
لاعب الباركور الجريح محمد أبو عودة

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قبل أن تتحول غزة إلى مساحة مفتوحة للدمار، كان محمد أبو عودة يختبر حدود الجاذبية فوق أسطح المباني.. يقفز من سطحٍ إلى آخر بخفة لاعب "باركور" يعرف جيدًا كيف يصنع أمام جسده مساحةً للحرية، وكيف يحوّل المدينة إلى ملعبٍ واسعٍ للأحلام، لكن انفجارًا مباغتًا كان كفيلًا ليبدل كل شيء، وليدفع جسده إلى معركةٍ أخرى لم يخترها؛ معركة وجعٍ وقهرٍ دائم.

في منزله المتواضع بمخيم خان يونس جنوبي قطاع غزة، يجلس أبو عودة (31 عامًا) أمام مرآةٍ تعكس له ملامح لم يعد يتعرف إليها بسهولة. فقدت عينه اليسرى بريقها إلى الأبد، وتضرر سمعه، وتحطمت أسنانه، بينما تركت الشظايا آثارًا غائرة على وجهه وأجزاء مختلفة من جسده.

"هذا الوجه ليس وجهي، وهذا الجسد ليس جسدي. الإصابة سرقتني وحطمتني".

ينظر إلى صورته بصمتٍ ثقيل ويقول: "هذا الوجه ليس وجهي، وهذا الجسد ليس جسدي. الإصابة سرقتني وحطمتني".

لم يعد الشاب هو ذاته الذي كان يتسلق الجدران ويقفز فوق الأسطح بخفة، اليوم يقضي أيامه محاولًا التعايش مع جسدٍ أثقلته الجراح، بينما تحولت الحركة التي كانت جزءًا من حياته إلى عبءٍ مؤلم.

ما يخفف وطأة هذا التحول القاسي هو وجود زوجته عائشة المغير (29 عامًا) قربه. لقد أصبحت سنده اليومي في مواجهة تفاصيل الحياة الصعبة.

يتحدث عنها بفخرٍ ممزوجٍ باليأس: "زوجتي تصعد عدة طوابق لتحمل المياه للشرب والنظافة. هي زوجة أصيلة، لكن ما تفعله يجعلني أشعر بالعجز عن تلبية أبسط احتياجات أسرتي".

قبل الإصابة، كانت حياة أبو عودة تمضي في مسارين متوازيين: عملٌ في صيانة اللوحات الإلكترونية، وشغفٌ برياضة الباركور التي وجد فيها مساحة للتعبير عن نفسه.

كان جسده أداته الأولى، ومرونته مفتاحًا لحلمه الرياضي. أما اليوم، فقد أصبح جسده نفسه ساحةً مفتوحة للوجع.

أحيانًا يحدث طفلته عن أيامه القديمة، عن المباني التي كان يقفز بينها، وعن الرياضة التي كانت جزءًا من حياته. يروي لها قصصًا عن عالمٍ كان أكثر اتساعًا من هذا الواقع الضيق.

رغم ذلك، ما يزال في حياته ما يشده إلى الاستمرار. ابنته تيا (4 أعوام) التي وُلدت قبل الإصابة، وطفله الرضيع آدم (6 أشهر) الذي جاء إلى الحياة بعد تلك اللحظة المفصلية، يشكلان مع زوجته خيط الأمل الذي يربطه بالحياة. يقول وهو يتأمل طفليه: "هما السبب الذي يجعلني أقاوم".

أحيانًا يحدث طفلته عن أيامه القديمة، عن المباني التي كان يقفز بينها، وعن الرياضة التي كانت جزءًا من حياته. يروي لها قصصًا عن عالمٍ كان أكثر اتساعًا من هذا الواقع الضيق، وكأنه يحاول أن يمنحها ذاكرةً مختلفة عن حاضرٍ مثقلٍ بالركام.

لكن طريقه بعد الإصابة لم يكن أقل قسوة من لحظة الانفجار نفسها، فبعد أن أفاق من غيبوبةٍ طويلة، وجد نفسه وحيدًا وسط الفوضى التي خلفها القصف. لم تكن هناك سيارات إسعاف، ولا طرق آمنة. اضطر إلى الزحف لمسافة طويلة حتى وصل إلى مجمع ناصر الطبي غربي مدينة خان يونس، في رحلةٍ اختلط فيها الألم بالخوف، والدم بالتراب.

اليوم يعيش أبو عودة على أملٍ واحد: أن يتمكن من السفر خارج غزة لتلقي علاجٍ لا يتوفر في مستشفيات القطاع المنهكة. فهو واحد من أكثر من عشرين ألف جريح ومريض يحتاجون إلى علاجٍ منقذٍ للحياة خارج القطاع.

ينظر أبو عودة إلى زوجته وطفليه قبل أن يقول بعد لحظة صمت: "من حقي أن أسافر وأتلقى العلاج، لكنني أدرك أن فرصتي صعبة للغاية".

لكن هذا الأمل يبدو بعيدًا، فعددٌ محدودٌ فقط من الجرحى يتمكنون من مغادرة غزة عبر معبر رفح، وسط قيودٍ مشددة على حركة السفر.

وقد زادت هذه القيود تعقيدًا بعد أن أغلقت قوات الاحتلال المعبر بشكلٍ كامل إثر الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي.

ورغم إدراكه لهذه الحقيقة، لا يزال أبو عودة يتمسك بفكرة السفر، ليس فقط لاستعادة جزءٍ من صحته، بل ليستعيد أيضًا إحساسه بكرامته الإنسانية.

ينظر إلى زوجته وطفليه قبل أن يقول بعد لحظة صمت: "من حقي أن أسافر وأتلقى العلاج، لكنني أدرك أن فرصتي صعبة للغاية".

حسب إحصاءات رسمية، استشهد أكثر من ألف رياضي، وأصيب المئات بإعاقات دائمة، فيما دُمرت 265 منشأة رياضية، بينها مقر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية

في النهاية، تختصر حكاية محمد أبو عودة مأساة آلاف الرياضيين الشباب في غزة، الذين تحولت ملاعبهم إلى أنقاض، وأجسادهم إلى ذاكرة مفتوحة للحرب، فبحسب إحصاءات رسمية، استشهد أكثر من ألف رياضي، وأصيب المئات بإعاقات دائمة، فيما دُمرت 265 منشأة رياضية، بينها مقر الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية الفلسطينية وملاعب شُيدت بدعمٍ دولي.

يقول مسؤول الإعلام في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم في غزة مصطفى صيام: "الخسائر البشرية والمادية ليست مجرد أرقام، إنها انهيار مروع لبنية رياضية واجتماعية كانت تمثل مساحة أمل للشباب في غزة".

وسط هذا الخراب الواسع، يحاول محمد أبو عودة أن يتمسك بما تبقى من حياته، فالرجل الذي كان يختبر خفة الجسد فوق الأسطح، يقاتل اليوم ليحافظ على توازنه في حياةٍ توقفت -حسب وصفه- عند لحظة ذلك الانفجار.

كاريكاتـــــير