غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
حينما يتجول المرء بين خيام النزوح، يجد في موائد الإفطار المتواضعة دليلاً على محاولاتٍ مستمرة للحفاظ على هوية شهر الصيام، بإصرار النساء على أن يظل رمضان حاضراً، حتى وإن تغيّرت ملامحه كثيراً.
هنا، حيث لا مطابخَ تفوح منها الروائح، لم تعد هذه إشارةً قاطعة للإعلان عن اقتراب موعد الإفطار، كما اعتادت العائلات لسنواتٍ طويلة، بل حلّت مكانها مَشاهد مختلفة داخل الخيام ومراكز الإيواء. ففيها تعيد النسوة تشكيل طقوس شهر الخير والبركة بما توفر من إمكانات محدودة، وسط ظروفٍ إنسانية قاسية فرضتها الحرب وفقدان المنازل.
تعيش آلاف العائلات الفلسطينية حالة نزوح مستمرة منذ أكثر من عامين، ما غيَّر إلى حدٍ كبير تفاصيل الحياة اليومية، خاصة في الشهر الذي كان يحمل طقوساً خاصة لدى الأسر.
وتعيش آلاف العائلات الفلسطينية حالة نزوح مستمرة منذ أكثر من عامين، ما غيَّر إلى حدٍ كبير تفاصيل الحياة اليومية، خاصة في الشهر الذي كان يحمل طقوساً خاصة لدى الأسر. فالنساء في غزة كن يقضين ساعاتٍ طويلة داخل المطابخ لإعداد أصنافٍ متنوعة من أطايب الطعام، إلا أن هذا المشهد قلّما نراه اليوم، بسبب غياب المطابخ المجهزة وندرة المكونات الأساسية.
داخل الخيام أو في زوايا ضيقة من مراكز الإيواء، تحاول النساء إعداد وجباتٍ بسيطة باستخدام أدوات محدودة، غالباً على مواقد صغيرة أو وسائل بدائية للطهي. وتقتصر المائدة في معظم الأحيان على أطباق قليلة، مثل الأرز أو العدس وبعض المعلبات، بعدما كانت المائدة الرمضانية في المنازل تزيّنها أصنافٌ تقليدية شهية ارتبطت بذاكرة الشهر الفضيل.
موسمٌ يجمع العائلة
ما يُثقل كاهل النساء ليس فقط قلة الإمكانات، وإنما الشعور العميق بفقدان المكان الذي كان يجمع العائلة حول المائدة، فالمطبخ في نظرهن: "لم يكن مجرد مساحةٍ لإعداد الطعام، بل جزءاً من الذاكرة اليومية التي تتجدد كل رمضان".

ابتسام بكر امرأةٌ في منتصف الثلاثين من العمر، وهي نازحة من مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة. تخبرنا أنها لم تعد تشعر بأجواء شهر رمضان كما في السابق، بعد أن فقدت منزلها واضطرت للعيش مع أسرتها في مأوى متهالك، يفتقد لأبسط مقومات الحياة.
وتوضح بكر في حديثها لـ"شبكة نوى" أنها تعيل أسرةً مكونة من خمسة أفراد، إذ لم يستطع زوجها مواصلة عمله بسبب إصابته بمرض السرطان، ما حمّلها مسؤولية توفير احتياجات الأسرة اليومية، محاولةً التكيف مع ظروفٍ معيشية بالغة الصعوبة.
"قبل الحرب كان رمضان عندنا موسماً يجمع العائلة حول مائدة الإفطار في بيتنا. وكنت أحرص على طهي عدة أكلات لأطفالي، رغم بساطة الحال".
وتضيف: "قبل الحرب كان رمضان عندنا موسماً يجمع العائلة حول مائدة الإفطار في بيتنا. وكنت أحرص على طهي عدة أكلات لأطفالي، رغم بساطة الحال".
تدمر منزلها إبّان الحرب وغاب الاستقرار وتغيّر كل شيء، تتنهد قائلةً: "نعيش الآن في مأوى مؤقت لا يوفر حتى مكاناً مناسباً للطهي، لذا لا مفر من إعداد الطعام على نار الحطب بالاستعانة بالورق والكرتون. لقد أصبح همي الأول توفير الطعام بأي طريقة ممكنة".
ومع ذلك، تحاول بكر التماسك من أجل أطفالها وزوجها المريض، مؤكدةً أنها تبذل جهدها لتأمين وجبة الإفطار لعائلتها، حتى وإن كانت بسيطة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية الحياة وسط واقع قاسٍ فرضه النزوح.
الطعام والمكان والذكريات
رغم الظروف الصعبة، تحافظ النساء على ما تبقّى من طقوس الشهر، بإعداد أطباقٍ رمزية تعيد للأبناء شيئاً من أجواء رمضان التي تعودوا عليها. وفي كثير من الأحيان تتحول عملية الطهي نفسها إلى "محاولة للحفاظ على الإحساس بالاستمرارية"، وكأنها رسالة صامتة بأن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت قادرة على الاحتفاظ ببعض تفاصيلها.
أم محمد عبيد، نازحةٌ تقيم في خيمةٍ جنوب قطاع غزة. أكثر ما تفتقده في رمضان هو مطبخها الذي كانت تقضي فيه وقتاً طويلاً لإعداد الطعام لعائلتها. تقول لـ "نوى": "قبل الحرب، كنت أبدأ في تحضير الإفطار منذ ساعات الظهيرة، أجهز عدة أطباق مثل الشوربة والمقلوبة والسلطات، ويا سلام على بيتٍ تفوح منه رائحة الطعام قبل الأذان".. تبتسم عندما تتذكر تلك اللقطة.

وتتابع حديثها بحزن: "اليوم نحن داخل خيمةٍ صغيرة. أطبخ على موقدٍ بسيط وبمكونات قليلة، أحياناً لا أجد سوى الأرز أو العدس لنفطر عليه، ومع ذلك أحاول أن أُشعر أطفالي أن رمضان ما زال موجوداً".
وتشير السيدة الأربعينية إلى أن أصعب ما في الأمر هو "الشعور بفقدان البيت الذي كان يجمع العائلة حول مائدة واحدة. الطعام الطيب ليس ما نفتقده فحسب، بل أيضاً المكان والذكريات التي فقدناها".
كما فرضت ظروف النزوح نوعاً جديداً من العلاقات الاجتماعية بين العائلات داخل المخيمات، حيث باتت بعض النساء يتشاركن إعداد الطعام أو تبادل ما يتوفر لديهن من مكونات، من أجل تخفيف وطأة الظروف القاهرة، وخلق أجواء تضامن تعوّض جانباً من غياب الحياة العادية.
"يفتقد أطفالي الأكلات التي تُقدم عادةً في رمضان مثل القطايف والسمبوسك، لكن هذه الأصناف لم تعد في متناول اليد".
سمر عبد العزيز أمٌ لأربعة أطفال، تقيم في أحد مراكز الإيواء، تحكي لـ "نوى": "يفتقد أطفالي الأكلات التي تُقدم عادةً في رمضان مثل القطايف والسمبوسك، لكن هذه الأصناف لم تعد في متناول اليد، مع أني أحاول إعداد وجباتٍ بسيطة بما يتوفر لدي، إذ يهمني أن يشعر الصغار أن رمضان مختلف عن باقي الأيام".
ويروق لسمر أن النساء في مركز الإيواء أحياناً تعدّ كل واحدة منهن الصنف الذي يمكنها المشاركة به، ثم يجتمعن لتناول الإفطار معاً، في بادرةٍ تخفّف إلى حدٍ ما صعوبة النزوح، وفقاً لرأيها.
ويتجاوز تأثير النزوح الجانب المعيشي، ممتداً إلى الأثر النفسي العميق لدى النساء اللواتي يجدن أنفسهن مسؤولات عن الحفاظ على تماسك العائلة في ظروفٍ شديدة التعقيد. فمع كل وجبة إفطار بسيطة، تستحضرن ذكريات مطابخهن القديمة وأصوات العائلة التي كانت تصدح في البيت قبل أن تفرّقها الحرب.
فيما يؤكد مختصون اجتماعيون أن النساء يلعبن دوراً محورياً في الحفاظ على الطقوس الاجتماعية في أوقات الأزمات، إذ تحاول كثيرٌ منهن التمسك بأبسط مظاهر رمضان رغم فقدان المكان والإمكانات، لما لذلك من دورٍ في تخفيف الضغوط النفسية على أفراد العائلة، خصوصاً الأطفال.
























