غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بين الخيام المتلاصقة، تفوح روائح النفايات والمياه العادمة، بينما يركض الأطفال في طرق رملية يغمرها الغبار. أكوام القمامة تنتشر بين الممرات، والهواء مثقلٌ بدخان الطهي، فيما تتشرّب الأرض الفضلات بصمت، كأن الطبيعة نفسها تُنهك تحت ضغطٍ يفوق طاقتها.
في قطاع غزة، لم تتوقف انعكاسات النزوح القسري عند فقدان المأوى، بل امتدت إلى تحولاتٍ بيئية عميقة وصامتة. ففي خان يونس، حيث يعيش أكثر من 900 ألف نازح ومقيم في منطقة المواصي، تتشكل أزمةٌ بيئية مركبة جرّاء الاكتظاظ السكاني وغياب البنية التحتية وتعطل أنظمة الصرف الصحي وإدارة النفايات، ما يجعل التربة والمياه والهواء "ضحايا لا تُرى" لكارثةٍ ممتدة عبر الزمان والمكان.
"نعيش في ظروف بيئية صعبة، نفايات متراكمة وقوارض منتشرة وروائح مزعجة. المياه المتوفرة عالية الملوحة وتسبب مشاكل في العينين والجهاز الهضمي".
تصف فاطمة البالغة من العمر (45 عاماً) الواقع الخانق بقولها: "نعيش في ظروف بيئية صعبة، نفايات متراكمة وقوارض منتشرة وروائح مزعجة. المياه المتوفرة عالية الملوحة وتسبب مشاكل في العينين والجهاز الهضمي، والحصول على مياه صالحة للشرب يتطلب الاستيقاظ فجراً والانتظار لساعات."
ويرى نسيم عبد العال، وهو شابٌ في مطلع الثلاثين، أن النزوح يُحمّله ما لا طاقة له به ويجعل الحياة أصعب، خاصةً فيما يتعلق بتأمين مياه الشرب، موضحاً في حديثه لـ"شبكة نوى": "يا لها من مهمةٍ شاقة، نضطر فيها إلى نقل المياه يدوياً لمسافات طويلة، ونستخدم أحياناً مياه البحر أو المياه المالحة للغسل والاستحمام. كما أن حفرَ الآبار البدائية لتصريف المياه العادمة أدى إلى تسربها إلى التربة، ما زاد من انتشار البعوض والأمراض بين الأطفال".
"تراكم النفايات وطفح المجاري حول المخيمات يلّوث التربة والهواء والمياه، ويفاقم المخاطر الصحية، خصوصاً على الأطفال وكبار السن".
وتبعاً لحديث سليمان البحيصي، فإن مياه البلدية تصل إلى المواطنين بكمية محدودة وغير منتظمة، في حين أن المياه النظيفة يحصلون عليها عبر تعبئة الجالونات، مشيراً إلى أن تراكم النفايات وطفح المجاري حول المخيمات يلّوث التربة والهواء والمياه، ويفاقم المخاطر الصحية، خصوصاً على الأطفال وكبار السن.
ضغطٌ يفوق القدرة الاستيعابية
"تستضيف مدينة خان يونس أكثر من 900 ألف نازح ومقيم في المواصي الشمالية والجنوبية والأحياء المحيطة بها، وهي مناطق أُعلنت تباعاً "مناطقَ إنسانية" بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ"، يقول صائب لقان المتحدث باسم بلدية خان يونس لـ"شبكة نوى".
فهذه المناطق تفتقر إلى أدنى مقومات البنية التحتية؛ حسبما يضيف لقان، فلا طرق مهيّأة، ولا شبكات مياه آمنة، ولا خطوط صرف صحي. كما أن طبيعتها الجغرافية – كثبان رملية وأراضٍ زراعية وتجارية – لم تُصمَّم لاستيعاب هذا العدد الضخم من السكان.

ويشير إلى أن معظم الخيام تعتمد على حُفرٍ امتصاصية بدائية لتصريف المياه العادمة، ما يؤدي إلى تسرّبها مباشرةً إلى الخزان الجوفي، مؤكداً أن البلدية تواجه أزمة نفايات غير مسبوقة، إذ يتكدّس أزيد من 450 ألف طن في مكبّاتٍ مؤقتة داخل المدينة، بعد تعذّر الوصول إلى المكب الرئيس شرق بلدة الفخاري منذ بداية الحرب.
وفي الوقت ذاته، يلقي الضوء على الجهود التي بُذلت لاحتواء التكدس بدعمٍ من جهات دولية، منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيسف واللجنة الدولية للصليب الأحمر، حيث رُحلّت كمية تُراوح بين 150 و200 ألف طن من النفايات، ناهيك عن تشغيل مئات عُمال النظافة بواسطة برامج إغاثية.
"حجم الكارثة يتجاوز الإمكانات المتاحة، لا سيّما مع تدمير عددٍ كبير من آليات البلدية، والاضطرار إلى استخدام وسائل بدائية كالعربات التي تجرّها الحيوانات لجمع النفايات الملقاة بين الخيام".
ويُعرب لقان عن أسفه "فحجم الكارثة يتجاوز الإمكانات المتاحة، لا سيّما مع تدمير عددٍ كبير من آليات البلدية، والاضطرار أحياناً إلى استخدام وسائل بدائية كالعربات التي تجرّها الحيوانات لجمع النفايات الملقاة بين الخيام".
إشراك النازحين في إدارة الموارد
تذكر الباحثة البيئية د. زهرة خدرج في حديثها لـ"شبكة نوى" أن النزوح القسري يستنزف الموارد الطبيعية حتى دون ملاحظةٍ فورية. وبطبيعة الحال، انتقال أعداد كبيرة إلى مناطق غير مهيأة يضاعف الضغط على المياه الجوفية والتربة، ويقود إلى تدهورٍ طويل الأمد، كما تقول.
وتشرح لنا خدرج بأسلوب علمي: "يؤدي الاستخدام المكثف والعشوائي للأراضي إلى "انضغاط التربة" وفقدان قدرتها على امتصاص المياه، ومع إزالة الغطاء النباتي تتزايد معدلات الانجراف وتفقد الأرض خصوبتها تدريجاً. ومن جهة أخرى يعطي غياب شبكات الصرف الصحي فرصةً لتسرب المياه العادمة إلى طبقات الأرض حاملةً ملوثات كيميائية وبيولوجية، ما يرفع احتمال انتشار أمراضٍ مرتبطة بالمياه الملوثة مثل التهاب الكبد الوبائي والكوليرا والتيفوئيد.

وإضافة إلى ما سبق، تدهورت جودة الهواء بسبب حرق مواد مختلفة للطهي والتدفئة، ما يؤدي إلى انبعاثات ضارة تؤثر في الجهاز التنفسي، إلى جانب ارتفاع نسب الغبار بسبب الطرق غير المُعبّدة والتربة المنجرفة.
وتحذّر من أن النزوح واسع النطاق وطويل الأمد قد يُحدث تغيرات مناخية محلية دقيقة تنجم عن إزالة الغطاء النباتي وبناء تجمعاتٍ عشوائية، تؤثر في درجات الحرارة والرطوبة.
ولا تفقد خدرج الأمل في الحدّ من تفاقم الأزمة البيئية، إذا ما اعتُبر ذلك أولويةً موازية للاستجابة الإنسانية. وتشمل الإجراءات العاجلة، تبعاً لكلامها: "إنشاء مراحيض مؤقتة مُحكمة العزل، وتنظيم نقاط توزيع مياه الشرب، ومنع الحفر العشوائي للآبار، وإعادة استخدام المياه المعالَجة في الري والتنظيف، وكذلك جمع النفايات يومياً، والتوقف عن التخلص العشوائي من المخلّفات الطبية".
"من المهم إشراك النازحين في إدارة الموارد الطبيعية، فذلك يُمثل أساس أي "استجابةٍ بيئية مستدامة" (..) يمكن تشكيل لجانٍ مجتمعية تُشرف على إدارة المياه والنفايات والطاقة داخل المخيمات".
وفي السياق نفسه، تنصح الجهات المعنية بإعادة التشجير بنباتاتٍ محلية سريعة النمو، كونها تسهم في تثبيت التربة وتحسين جودة الهواء وتلطيف المناخ المحلي.
وعلى صعيد آخر، تشدد على ضرورة إشراك النازحين في إدارة الموارد الطبيعية، فمن شأن ذلك أن يُمثل أساس أي "استجابةٍ بيئية مستدامة"، بتشكيل لجانٍ مجتمعية تُشرف على إدارة المياه والنفايات والطاقة داخل المخيمات، وتنظيم برامج توعية حول ترشيد الاستهلاك وحماية البيئة.
بلغ عدد النازحين في قطاع غزة نحو مليوني نسمة حتى 22 فبراير 2026. ونحو ثُلثيهم يعيشون في مواقع مكتظة، غالباً في خيام توفر حمايةً محدودة من العوامل الجوية.
وتدعو الباحثة البيئية لتطبيق هذا النهج الذي من وجهة نظرها يمكن أن يساعد في تحويل المخيمات من بؤر ضغط بيئي إلى مساحات تنظيم وصمود، يصبح فيها السكان شركاء فاعلين في حماية بيئتهم، لا مجرد متلّقين للمساعدة.
وحسبما أورد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد النازحين في قطاع غزة نحو مليوني نسمة حتى 22 فبراير 2026. كما أفادت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) أن نحو ثُلثي هؤلاء يعيشون في مواقع مكتظة، غالباً في خيام توفر حمايةً محدودة من العوامل الجوية، ما يضاعف هشاشة الوضع الإنساني والبيئي معاً.
























