غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في الثامن من آذار من كل عام، يحتفل العالم بيوم المرأة. تُزدحم الشاشة بالخطابات، وتُرفع الشعارات عن الحقوق والإنجازات، وتُستعاد قصص النضال. أما في قطاع غزة، فالسؤال يبدو مختلفًا تمامًا: "عن أي يومٍ للمرأة يتحدثون؟".
تقول أم محمد وادي (45 عامًا)، وهي تنظر إلى خيمتها المهترئة في مخيمٍ قرب مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح: "ألا يرى العالم حالنا؟ فقدنا أبناءنا وبيوتنا، ونعيش حياة قاسية في خيام تفتقد إلى الكرامة وأدنى مقومات الحياة".
بالنسبة لها، لا يحمل الثامن من آذار -اليوم- معنى التكريم، بل يختصر مفارقة موجعة، ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن يُحتفى بنضال النساء من أجل الحرية، تُحرم الفلسطينيات من أبسط الحقوق على حد تعبيرها.

ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر 2023م، قُتل أكثر من 73 ألف فلسطيني، بينهم ما يزيد على 12 ألف امرأة، وأصيب أكثر من 171 ألفًا، أكثر من 70% منهم من الأطفال والنساء. أرقام ثقيلة، لكنها بالنسبة لأم محمد ليست مجرد إحصاءات، بل وجوه وأسماء وحكايات انقطعت فجأة.
هي نازحة من مدينة غزة، فقدت ابنها محمد (25 عامًا) في نيسان/ أبريل 2024م، حين حاول العودة إلى منزلهم بعدما ضاق ذرعًا بحياة الخيام.
"لم أودّع ابني، ولم أعثر على جثمانه، ومنذ ذلك اليوم، كرّست جزءًا من وقتي لمواساة أمهات الشهداء في المخيم، بينما أتحمل وحدي إعالة أسرتي المكوّنة من سبعة أفراد".
"لم أودّعه، ولم أعثر على جثمانه"، تقول بصوتٍ منكسر، موضحة أن قوات الاحتلال جرّفت المنطقة التي استشهد فيها، "ومنذ ذلك اليوم، كرّست جزءًا من وقتي لمواساة أمهات الشهداء في المخيم، بينما أتحمل وحدي إعالة أسرتي المكوّنة من سبعة أفراد" تضيف.
زوجها مريض، وبناتها شابات ترفض أن يذهبن إلى التكايا أو طوابير المياه. تتابع: "أنا من أقف في الطوابير، وأنا من أحمل الماء".
تشير بيدها إلى المسافة الضيقة بين خيمتها وخيمة الجيران، حيث يكاد القماش يلامس القماش، وتتحدث عن فقدان الخصوصية كما لو أنه فقدان لجزء من إنسانيتها، وهي، المريضة بالسكري، لا تحصل على الأنسولين بانتظام. تختصر المشهد بعبارة موجزة: "هذا هو حالنا في يوم المرأة".
في خيمةٍ المجاورة، تعيش ليلى أبو السعود (35 عامًا)، وهي نازحة من بيت لاهيا شمالي القطاع، وأم لخمسة أطفال أنهكتهم الحرب والفقر والجوع وغياب التعليم.
تقول: "لم أستطع العودة إلى بيتي بسلام. نعيش في خيمة لا تصلح للحياة للعام الثالث، يومي يتوزع بين طابور التكية وطابور المياه، وحتى إعداد وجبة بسيطة يتطلب إشعال النار في غياب الغاز، ما تسبب لي بأزمة تنفسية".
وتتابع: "لا نملك ثمن الحطب، فأضطر إلى إشعال ما يتوفر من نايلون وكرتون، وهذا يؤذي صدري كثيرًا".
أصيب أطفالها الخمسة قبل مدة بمرض جلدي نتيجة العيش فوق الرمال، فيما تعاني طفلتها من أزمة تنفسية تشتد مع موجات البرد، أما المدرسة، فباتت ذكرى بعيدة.
تحاول ليلى أن تدرّس أبناءها بنفسها كي لا ينسوا ما تعلموه، وسط واقع يهدد مستقبلهم التعليمي بالكامل.
تتنهد وتقول: "العالم عجز عن توفير أبسط حقوقنا. فشل في حمايتنا كنساء. يأتي يوم المرأة والعالم يحتفل، ونحن لا نستطيع تربية أطفالنا كما نريد".
وتضيف بمرارة ممزوجة بالعصبية، مشيرة إلى الخيام المتراصة: "نحن النساء الفلسطينيات نستحق جائزة على نضالنا، على حفاظنا على حياة أطفالنا وعلى قدرٍ معقول من تعليمهم. نستحق جائزة لأننا تحملنا كل هذا".
على مقربة منهما، تقف نبيلة شنار، أم محمود (54 عامًا). تستعد للذهاب إلى إفطار جماعي نظمته إحدى الجمعيات في المخيم. كانت تبتسم وهي تراقب الأطفال وهم يجهزون الموائد والكراسي والتمور والعصائر، تقول إنها اشتاقت إلى "اللمة الجميلة".
"لم نعد نعرف أجواء رمضان كما كانت، حين كنا نعلق الزينة ونجتمع حول مائدة واحدة. لا أستطيع دعوة أبنائي وبناتي إلى إفطار كما كنا نفعل".
نزحت من منزلها المستأجر في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة في نوفمبر 2023، ولا تزال في الخيمة حتى اليوم. لم تطمئن للعودة حتى بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأول في يناير 2025.
"حياتنا هنا قاسية"، تقول، وهي التي تعيش مع أبنائها العشرة، ثلاث فتيات وسبعة ذكور، في مساحة تفتقر إلى الخصوصية.
"لم نعد نعرف أجواء رمضان كما كانت، حين كنا نعلق الزينة ونجتمع حول مائدة واحدة. لا أستطيع دعوة أبنائي وبناتي إلى إفطار كما كنا نفعل" تعقب.

وحين يُطرح عليها سؤال عن يوم المرأة، تستعيد بذاكرتها السنوات التي كانت تشارك فيها بفعاليات تنظمها مؤسسات نسوية، والأجواء المبهجة التي كانت ترافق المناسبة، ثم تقول: "لم يكن وضع المرأة يرضينا تمامًا في السابق، لكن الآن انتهت حياتنا على كل المستويات.. معاناة لا يمكن احتمالها، نهاري يضيع في الطوابير، في فقدان الأمان والخصوصية. جاء يوم المرأة هذا العام، وحياتنا أصعب من أي وقت مضى".
في غزة، لا يأتي الثامن من آذار محمّلًا بالورود، بل بأثقال الخيام، وصفوف الانتظار، وذكريات البيوت المهدمة. هنا، تبدو المرأة الفلسطينية منشغلة بحقها الأول: البقاء على قيد الحياة.
























