شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 29 ابريل 2026م23:56 بتوقيت القدس

في برنامجها الرمضاني

الطبخ الفلسطيني "على أصوله" من يد سوسن القدومي

05 مارس 2026 - 08:20

الضفة الغربية/شبكة نوى- فلسطينيات:

مزدانةً بثوبها الفلسطيني المطرز ذي الألوان الزاهية، تُطلّ علينا سوسن القدومي في برنامجها الرمضاني "مطبخ البيت الفلسطيني"، لتبعث فينا الحنين إلى طعام بيوت زمان.
فمن أكلة "المقلوبة" التي تنطق فيها القاف كافاً وتصفها بطبق الأعياد والمناسبات والنصر، إلى "المنسف" على طريقة أهل الخليل ودون بهارات، مروراً بـ"مخشي الكوسا بلبن" المتبوع بسؤال: "أنتو من فريق اللبن الرايب ولا الجميد؟"، وتوصية صغيرة فيه: "افرموا البصل خشناً وبالسكين".

ولا يحلو البرنامج دون "المسخن" الذي تعتبره حكاية أرض، وكذلك "المناديل النابلسية" الوصفة الدسمة التي قد تكون مظلومةً إعلامياً، تصحبنا سوسن معها في حلقاتٍ معدودة تنشرها تباعاً، وأمام هذه السفرة المتنوعة تنشط حاسة الشم والتذوق عند كل من يتابعها.

طبخنا لا يُمّل منه

من قلب مطعم النورج في بلدة بيرزيت شمال مدينة رام الله، وعلى طاولةٍ خشبية تعلوها شجرةٌ وارفة، لا تبخل  صاحبته "الست سوسن" على متابعي برنامجها بأسرار المطبخ الأصيل مع "التريكات" الاحترافية. على سبيل المثال؛ تقول إن أساس أكلة المسخن: خبز الطابون الطازج وزيت الزيتون البِكر والسُماق البلدي، وحسب تعبيرها "كل تفصيلة فيه بتفرق".

تستهل القدومي حديثها لـ"شبكة نوى" بقولها: "تُمثل أطباق الجدّات والأمهات في شهر رمضان المبارك ذكرياتٍ لا تُنسى، إلى جانب العبادات والروحانيات"، موضحةً: "قدسية رمضان في هذا الجانب لا تقتصر على الأكلات الموسمية ومذاقها الفريد، بل تشمل اجتماع العائلة حول مائدة واحدة لتناول الطعام في الوقت ذاته".

وما يميز المائدة الرمضانية، تبعاً لرؤيتها أن "مشاغل الحياة قد تمنع أفراد الأسرة من الاجتماع، بينما يفرض رمضان موعدًا محدداً للقائهم، وتمتد اللقاءات لتصبح ولائم عائلية، ما يخلق تنوعًا كبيرًا في الأطباق"، مشيرة إلى أن "الريحة الخيال" المنبعثة من المطابخ الدافئة قد تكون أكثر ما يعلق في ذاكرة الصائمين.

وتخبرنا عن الرسالة التي تود أن تصل عبر برنامجها: "أركّز على أساسيات الطبخ بطريقة بسيطة وواضحة دون إضافاتٍ غير مهمة، مع إبراز الأطباق التقليدية التي تمثل ثقافتنا وتعتمد على مكوناتٍ من أرضنا".

ومرةً أخرى، تؤكد أنها تصبّ تركيزها "على طبخنا لأنه لا يُمّل منه"، كونه جزءاً من ثقافة فلسطين، ومكوناته مستمدة من بيئتها. إذ لا تضطر الأمهات فيه إلى مكونات مستوردة، لأن قوامه "الطبخ بمكوناتٍ طبيعية وطازجة" حسبما تضيف.

ولها رأيٌ خاص في هوس السيدات بـ"التفريز المُسبق" قبل رمضان، فهي لا ترى أي ضرورة لمبالغة النساء في التحضير المسبق، مبيّنةً: "لا أحب اتبّاع هذا النظام. أميل إلى تجفيف البندورة والبامية والمولخية، والاعتماد على أطباق الموسم التي تحمل بركةً وتنوعًا غذائيًا طبيعيًا".

 ليس مجرد هوايةً بل هُوية

أمام فوضى "التريندات" في عالم الطبخ، لا تجد سوسن مشكلةً في أن تكرر الأطباق التراثية؛ لأن الطبخ "ليس مجرد هواية بل هوية" وفق تعبيرها، وعلاوةً عليه، هذه الأطباق متكاملة بحد ذاتها وفيها القيمة الغذائية والمعنوية على حدٍ سواء، ولا تستدعي أي إضافات إلى مكوّناتها الأصلية.

وتشدّد في كلامها على أن النساء يجب أن يتحلينّ بالوعي أمام "الفوضى التسويقية" التي تُروّج لمنتجاتٍ لا ملامح واضحة لها. وتزيد بالقول: "أبتعد عن إرباك المتابعين أو جعلهم مستهلكين يلاحقون وصفاتٍ بمكونات يصعب توفيرها؛ لأن هدفي التشجيع على الطبخ بأبسط الإمكانات، فالبساطة قادرة على صنع أفخم مائدة".

ومن أهم ما يميز المطبخ الفلسطيني من وجهة نظر سوسن، اتسامه بالغنى والتنوع، مسترسلةً: "وفي كل الأحوال مكوناته فاخرة، مع أن كثيرًا من أطباقه تعد مُكلفةً إذا اعتمدت على اللحوم أو السمنة أو زيت الزيتون".

وتواصل التوضيح: "انعكس التنوع الجغرافي والمناخي في فلسطين على غناها الزراعي والبيئي والحيواني، ما يتيح إعداد وجبات مختلفة يوميًا من خضار الموسم الطازجة، إلى جانب "المونة" المخزّنة من عامٍ لآخر".

"ماذا تفضلين على مائدة الإفطار الخاصة بك؟".. لا تفارقها الابتسامة في إجابتها: " أُفضّل المائدة التي تحتوي فقط على طبق موسمي، لأن معدة الصائم لا تتحمل تنوعاً كبيراً على السفرة. فلا أفضّل الجمع بين الطبق الرئيس والمقبلات من الشوربة والسلطة، بينما تبقى "القطايف" الحلوى الأساسية التي لا تغيب عن أجواء الشهر".

مكافأة وسط المشاغل

جدولها مزدحمٌ في الآونة الأخيرة، فهي تجمع بين برنامجها الذي تنشغل بتصويره هذه الأيام، إلى جانب مسؤوليات العائلة وإدارة المطعم. وفي هذا الصدد تحكي لنا: "لم أتمكن من تصوير البرنامج قبل رمضان، كما كنت أخطط، وبالتالي يستغرق مني وقتاً كوني أُشرف بنفسي على الطبخة بكل مراحلها، وهذا يتطلب مني تيقظاً ودقة. ثم أعود إلى المنزل لأتولى متابعة تفاصيل المائدة، وحالي كحال أي امرأةٍ فلسطينية معتادة على المهام وتشعّب المسؤوليات، إلا أنها تتعامل مع الضغط بمرونة مُسلّحةً بالصبر".

وتحمد الله أن ضيوفها وزبائنها يفرحون في كل مرة بتجربة طعام "بسيط وأصيل وحقيقي"، خاصةً أن معظم الوصفات التي تقدمها في مطعمها هذا الشهر من اللحوم ذات الجودة العالية، المطهوة على نار هادئة في فرن الحطب لمدة تصل إلى ست ساعات.

بعضٌ من هؤلاء، لأول مرة يتناول هذا النوع من الطعام. وآخرون يُعبّرون عن امتنانهم بقولهم: "أكلتها من إيد ستي"، لافتةً إلى أن كثيراً من الناس يتوقون للأصالة في طعامٍ من هذا الطراز، كما تذكر.

وبخصوص التأثير الذي تتمنى أن تتركه عند متابعيها، تأمل القدومي أن يكون تأثيراً إيجابيًا وبسيطًا، دون تعقيدٍ أو "فلسفات"، والكلام لها. مؤكدة: "أركز على المكونات الأساسية: لحمة وسمنة وأرز وخبز وخضار، وتجنب الإكثار من البهارات، بالمختصر الطبخ التقليدي يُظهر الطعم الحقّ للمكونات".

ومن المثير للاهتمام في برنامجها، ارتداؤها أحياناً "الثوب"، لرغبتها في تعزيز الهوية الفلسطينية. وغالباً ما ترتدي الأثواب القديمة التي تعود إلى ما قبل النكبة، عندما كانت الأقمشة تُصنع من الكتّان أو القطن أو الحرير الطبيعي، ما يجعلها خفيفةً ومريحةً في الحركة، تقول.

وسط كل هذه المشاغل، تتمنى سوسن القدومي في حديثها مع "نوى" أن تكافئ نفسها في شهر الخير بختم القرآن الكريم، "فبين المطعم وتحضير الولائم للأهل والغرق في مسؤوليات العائلة، علينا ألا نغفل عن العبادة".

كاريكاتـــــير