غزة- اسطنبول/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في ذروة أهوال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وبينما كانت آلة الحرب تنسج بالدم والركام فصولًا مفتوحةً من الألم على امتداد القطاع الساحلي الصغير، كانت الدكتورة الغزية آلاء أبو عودة تكتب فصلًا آخر من الحكاية.
هناك في إسطنبول، بعيدًا بالجغرافيا وقريبًا بالقلب، كانت تحاول أن تصوغ للألم معنى، وأن تمنحه اتجاهًا. آلاء، الناشطة في العمل الخيري والإنساني، لم ترَ في المسافة عذرًا للتراجع، ولا في الغربة سببًا للحياد، فحملت جرح أهلها معها، وحوّلته إلى طاقة عمل لا تخبو.
"تجربتي الشخصية كغزية جعلتني أرى أن المسؤولية الأخلاقية لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد حيثما نستطيع أن نصنع فرقًا، ولو بخطوة صغيرة".
تقول لـ "نوى": "تجربتي الشخصية كغزية جعلتني أرى أن المسؤولية الأخلاقية لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد حيثما نستطيع أن نصنع فرقًا، ولو بخطوة صغيرة".
بهذه القناعة بدأت الحكاية، لا كردّ فعل عابر، بل كموقف متكامل يرى في الفعل امتدادًا طبيعيًا للانتماء.
قبل سنوات غادرت آلاء غزة جسدًا، لكنها بقيت فيها روحًا، وحين اندلعت حرب الإبادة الإسرائيلية، وبات زهاء مليوني إنسان في قلب الخطر، ومن بينهم أهلها وأصدقاؤها، لم تكتفِ ببيانات التضامن ولا بالمنشورات السريعة على منصات التواصل الاجتماعي. كانت ترى أن الكلمات، مهما علت، تبقى ناقصة إن لم تسندها خطوة على الأرض، ومن هنا، تحوّل الغضب إلى مشروع، والمشاعر إلى خطة، والوجع إلى فعل منظم.

تؤمن آلاء أن المسؤولية الأخلاقية لا تعترف بالحدود، وأن الانتماء لا يُقاس بحدة الخطاب، بل بعمق الأثر، ولذلك وُلدت فكرة المقاطعة بوصفها أداة ضغط، ترى فيها "لسان حال الضمير الإنساني".
لم يكن التحرك ارتجاليًا، بل اتسم بالتخطيط والحصول على التراخيص اللازمة من بلدية "باشاك شهير" لإقامة اعتصام سلمي مقابل أحد المطاعم العالمية التي أعلنت دعمها للاحتلال.
منذ اللحظة الأولى، كانت الرسالة واضحة -تقول آلاء- "نحن هنا لنمرر رسالة حضارية". وهكذا، تأسس الفعل على قاعدة القانون، لا على هامش الفوضى.
لم تكن الوقفات أيامًا عابرة في رزنامة الاحتجاجات، بل مسارًا طويل النفس. أكثر من 120 يومًا من الاعتصام المتواصل حوّلت الساحة إلى مساحة ثابتة للوعي.

المطعم الذي كان يعج بالزبائن ويشهد طوابير ممتدة، أصبح شبه خالٍ، "لم يحدث ذلك بفعل ضغط أو ترهيب، بل نتيجة حوار متراكم وصحوة ضمير تشكّلت على مهل" تخبرنا.
وتضيف: "الاستمرارية أهم من الضجيج اللحظي". فالثبات، في نظرها، يمنح الفكرة صدقيتها، ويجعل العابر يتوقف ليسأل، والمتردد يعيد التفكير، والمشارك يزداد يقينًا.
مع الوقت، تحوّل الفضول الأولي لدى المارّة إلى نقاش، والنقاش إلى قناعة.. عائلات تركية وعربية باتت تأتي للاستفسار، وحين ترى التنظيم السلمي والالتزام الأخلاقي، تختار الانضمام.
مع الوقت، تحوّل الفضول الأولي لدى المارّة إلى نقاش، والنقاش إلى قناعة.. عائلات تركية وعربية باتت تأتي للاستفسار، وحين ترى التنظيم السلمي والالتزام الأخلاقي، تختار الانضمام إلى الوقفة أو تغيير وجهتها الشرائية فورًا.
ما يميز هذه التجربة أنها لم تُوجّه سهامها إلى الموظفين البسطاء الباحثين عن رزقهم، بل إلى السياسات والمنظومات الداعمة للاحتلال.
وتؤكد آلاء أن المقاطعة ليست عقابًا للأفراد، بل مساءلة للمؤسسات، وفي خطوة عملية تعكس هذا الفهم، نجحت هي ورفاقها في إقناع عشرة موظفين بترك العمل في ذلك المطعم، ولم يُتركوا لمصير مجهول، بل جرى توفير فرص عمل بديلة لهم في متاجر وشركات تركية أخرى.

وترى آلاء أن للمقاطعة وجهين متكاملين: بالنسبة للضحايا في غزة، هي رسالة تضامن فعلي، تخبرهم أنهم ليسوا وحدهم، وأن ثمة من يخوض معركة موازية في ميادين الاقتصاد والرأي العام، أما على مستوى الاحتلال وداعميه، فهي أداة تعيد تعريف الخسارة، حين تتراجع الأرباح وتغلق فروع لشركات كبرى كما حدث في الأردن، وتصبح الكلفة المعنوية والاقتصادية جزءًا من معادلة الصراع.
الرسالة الأعمق، كما تقول الناشطة الغزية، أن صورة الاحتلال عالميًا لم تعد بمنأى عن المساءلة، وأن الحصانة التي طالما احتمى خلفها بدأت تتآكل أمام وعي الشعوب. "فحين يتحول الألم إلى فعل منظم، ويتحوّل الحزن إلى التزام طويل النفس، يصبح الصوت الفردي جزءًا من جوقة عالمية تعيد رسم المشهد" تعلق.
من غزة التي تنزف إلى إسطنبول التي تحتضن الاعتصام، تتشكل معادلة مختلفة، تتلخص في أن المسافة لا تُسقط المسؤولية، والغربة لا تُطفئ الانتماء، "وحين يختار الإنسان أن يحوّل وجعه إلى أثر، فإنه يثبت أن الفعل، مهما بدا صغيرًا، قادر على أن يفتح في الجدار نافذة" تختم.
























