غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في إحدى نقاط التعليم بحيّ النصر غربي مدينة غزة، لا يبدأ الدرس بصوت جرسٍ مألوف، بل بصوت طائرة حربية تمر فتشق سماء السكينة.
لحظةٌ خاطفة تكفي ليتجمّد القلم في يد طفل، وتلتفت العيون الصغيرة نحو الباب، كأن الخطر سيعبر منه. تتوقف المعلمة عن الشرح، وتراقب الوجوه، حيث لا تعود السبورة مركز المشهد، بل تعابير الخوف التي تبرق سريعًا ثم تستقر في الملامح.
تتحدث دينا عن طالبٍ في السابعة من عمره يحضر دفتره كل صباحٍ فارغًا، ويطلب منها أن تصحّحه وتضع له نجمة. "هو لا يريد علامة على إنجاز، بل يريد أن يشعر أنه أنجز".
في هذه المساحة الضيقة، صار المعلم شاهدًا أول على ما تفعله الحرب في نفوس طلابه، يلتقط الصدمة في لحظتها الأولى، قبل أن تتحول إلى سلوكٍ دائم أو صمتٍ طويل.
دينا بشير، معلمة اللغة الإنجليزية، تخبرنا أن مهمتها لم تعد تقتصر على شرح المفردات وتصحيح الواجبات، بل تحولت إلى "مراقبة يومية لنبض الطلبة النفسي".
تتحدث عن طالبٍ في السابعة من عمره يحضر دفتره كل صباحٍ فارغًا، ويطلب منها أن تصحّحه وتضع له نجمة. "هو لا يريد علامة على إنجاز، بل يريد أن يشعر أنه أنجز"، تقول.
يجلس أمامها بعينين مترقبتين، كأن النجمة الصغيرة شهادة أمانٍ مؤقتة، يتشتت سريعًا، يجد صعوبة في نقل الكلمات من السبورة إلى الدفتر، وأحيانًا يتصرف بسلوكيات غير متوقعة.
"هذه الحالات لم تعد فردية؛ كثير من الطلبة يعانون تراجعًا في التركيز، وضعفًا في الانضباط، وتقلباتٍ مفاجئة في السلوك"، ولذلك تحاول دينا مع زملائها خلق بيئةٍ تعزّز الثقة والهوية الإيجابية.
تضيف: "ذات مرة طلب أن يقبل يدي"، وخلف هذا السلوك، ترى دينا حاجةً عميقة إلى الأمان والتقدير، حاجة لا تسدّها الدفاتر ولا العلامات.. في صفّها، يصبح الاحتواء درسًا موازيًا للغة، والطمأنينة مهارةً تسبق القواعد.
"الأشد وطأة"، كما تقول، واقع أولئك الذين فقدوا أحد والديهم، أو كليهما، وبقيت الصدمة معلّقة داخلهم كحقيقةٍ لم تكتمل.
تشير إلى طفلٍ فقد والده خلال الحرب، وما يزال يردّد: "لا أصدّق أنه استشهد إلا عندما أراه بعيني".
تجلس الكلمات على لسانه كحاجزٍ بينه وبين الفقد، كأن الرؤية شرط التصديق. تصفه بأنه هادئٌ إلى حدٍ لافت؛ يجلس في مقعده دون مشاركة، لا يرفع يده، ولا يدخل في حديثٍ مع زملائه. "صمته ثقيل، أشعر أنه يحمل فكرةً أكبر من عمره"، تردف.
بالنسبة لها، هذا الهدوء ليس طبعًا، بل انعكاسٌ لصدمةٍ لم تجد طريقها بعد إلى التعبير.

وفي المقعد ذاته تقريبًا، يجلس طالبٌ آخر فقد والده أيضًا، لكن حزنه يأخذ شكلًا مختلفًا: "هو دائم الاضطراب، ذهنه ليس حاضرًا بالكامل"، تشرح دينا.
تلاحظ عليه تشتتًا واضحًا؛ يقلب الحروف والأرقام، يكتب حرف (b) على نحوٍ يشبه (d)، ويعكس بعض الكلمات، وحتى الرقم (7) يكتبه بالاتجاه المعاكس.
"أحيانًا أشعر أن عقله مشغول بشيءٍ أكبر من الدرس نفسه". لا ترى في ذلك ضعفًا أكاديميًا بقدر ما تراه أثرًا مباشرًا لصدمةٍ لم تُعالج.
وتضيف: "هذه الحالات لم تعد فردية؛ كثير من الطلبة يعانون تراجعًا في التركيز، وضعفًا في الانضباط، وتقلباتٍ مفاجئة في السلوك"، ولذلك تحاول مع زملائها خلق بيئةٍ تعزّز الثقة والهوية الإيجابية.
"لا نناديهم يا ولد أو يا بنت، نقول قائد وقائدة، كي نرسّخ قيمتهم ونقوّي شخصيتهم (..) في المساحات التي تتهددها الهشاشة، يصبح الاسم رسالة، والمناداة فعل ترميم".
"لا نناديهم يا ولد أو يا بنت، نقول قائد وقائدة، كي نرسّخ قيمتهم ونقوّي شخصيتهم" تزيد، لافتةً إلى أنه في المساحات التي تتهددها الهشاشة، يصبح الاسم رسالة، والمناداة فعل ترميم.
تعترف دينا بأن شعور العجز يزورها أحيانًا، رغم حرصها الدائم على أن تبدو قوية أمام طلابها: "تأتيني لحظات أشعر فيها بالعجز، حين أرى طفلًا يحمل وجعًا أكبر من عمره، وأعرف أن ما بداخله أعمق من قدرتي".
تحرص ألا يظهر هذا الإحساس داخل الصف، "لأنهم يحتاجون أن يرونا ثابتين"، لكنها تعود إلى بيتها مثقلةً بالتفكير فيهم.
"أقول لنفسي: ربما وجودي إلى جانبهم، وكلمة طيبة، واحتواء بسيط، يصنع فرقًا صغيرًا حتى لو لم يكن كافيًا (..) أحيانًا أشعر أنني أم قبل أن أكون معلمة. أبدأ الحصة بخطة، وأنهيها وأنا أهدّئ طفلًا أفزعه صوت، أو أربّت على كتف طالبة دخلت والدموع في عينيها" تختم بابتسامة.
يحدثنا معلم عن طفلٍ في الثامنة يعيش فقدًا مزدوجًا؛ فقد والدته ووالده، ويعيش الآن مع عمته وزوجها: "يناديها ماما كأنها أمه الحقيقية (..) طلب من الإدارة ألا يعرف أحد في المدرسة أن والدته استشهدت".
في ساحة مدرسةٍ (أو بالأحرى نقطة تعليمية أخرى)، يلتقط معلم الرياضة عبد الله يونس ملامح الصدمة في عيون طلبته.
يحدثنا عن طفلٍ في الثامنة يعيش فقدًا مزدوجًا؛ فقد والدته ووالده، ويعيش الآن مع عمته وزوجها: "يناديها ماما كأنها أمه الحقيقية (..) طلب من الإدارة ألا يعرف أحد في المدرسة أن والدته استشهدت، تراه محتاطًا في كل تصرفاته، يحاول أن يبدو طبيعيًا، لكنه يحمل عبئًا ثقيلًا".
في حصة الرياضة يشارك، لكن كل حركةٍ محسوبة، وكل ضحكةٍ قصيرة -كما يصف الأستاذ- أحيانًا ينسحب فجأة، وأحيانًا يندمج كأن شيئًا لم يكن، "هذا الحذر جزءٌ من محاولته أن يحمي نفسه"، يوضح، قائلًا: "نحاول أن نوفر له الأمان ونراقبه في الوقت نفسه".

ويصف حالة طالبةٍ نجت وحدها وفقدت عددًا كبيرًا من أفراد عائلتها، وتعاني مشكلاتٍ في النطق بعد الصدمة: "في حصة الرياضة كانت تقف بعيدًا، لا تتحرك ولا تتحدث، كأنها محتمية بقوقعةٍ من صمت".
تمرّ الأنشطة حولها دون أن تلامسها، وابتسامتها نادرة! مع الوقت والصبر، بدأ يظهر بصيص تفاعل؛ تشارك في تمارين بسيطة، وتنضم إلى لعبةٍ صغيرة.
جدتها ترافقها أحيانًا وتدعمها، وهذا الارتباط، كما يقول، ساعدها على الانفتاح تدريجيًا. يردف: "حتى أصغر تقدم، مثل رفع يدها أو ابتسامة لزميلة، يصبح انتصارًا على الصدمة".
وفي مشهدٍ مغاير، يتحدث عبد الله عن طالبٍ فقد والده، ثم تزوجت والدته من عمه. يقول: "تكوّن لديه شعورٌ مختلف، في الحصة يبدو سعيدًا، يركض ويضحك".
يقف أحيانًا قربه ويقول مبتسمًا: "أصبح لديّ أب، أناديه بابا، لديّ أبٌ ميت وأبٌ حي".
لا تقتصر آثار الحرب على الفقد المباشر، بل تظهر في خيال الأطفال وألعابهم: "أحيانًا وهم يلعبون، يبنون خيامًا أو يحاكون أصوات انفجارات"، يقول عبد الله.
يرى المعلم في هذا التحول محاولةً لاستعادة توازنٍ مفقود، وبداية شعورٍ متجدد بالأمان. "الحصة صارت مساحة يعبر فيها عن فرحته الجديدة، كأنه يحاول أن يعيش طفولته من جديد".
ولا تقتصر آثار الحرب على الفقد المباشر، بل تظهر في خيال الأطفال وألعابهم: "أحيانًا وهم يلعبون، يبنون خيامًا أو يحاكون أصوات انفجارات"، يقول عبد الله.
في تلك اللحظات، يوقف النشاط، يجلس إلى جانب طفلٍ بدأ بالبكاء، ويحاول إشغاله بحركةٍ بسيطة حتى يهدأ، "الهدف ليس الدرس، الهدف أن يشعر بالأمان. أحيانًا هذه الدقائق أهم من أي تمرين".
بدورها، توضح الأخصائية النفسية عبير حسين أن المعلم غالبًا أول من يلاحظ التغير، لأنه يقضي ساعاتٍ يومية مع الطفل في بيئةٍ منظمة تسمح بالمقارنة بين ما كان وما صار.
"علامات اضطراب ما بعد الصدمة تشمل فرط اليقظة، ونوبات البكاء المفاجئة، وتكرار الحديث عن الحدث أو إنكاره، واضطرابات النوم، والسلوك الانسحابي أو العدواني".
وتقول: "المعلم يرى الطفل وهو يكتب ويلعب ويتفاعل، ويلتقط التغيرات الصغيرة التي قد لا يلاحظها الأهل المنشغلون بضغوط الحياة"، لافتةً إلى مؤشراتٍ دقيقة مثل: صمتٍ مفاجئٍ بعد نشاط، وتحديقٍ طويلٍ في الفراغ، وارتباكٍ عند سماع صوتٍ مرتفع، وتراجعٍ في مستوى الخط، وقلب الحروف والأرقام، أو تعلقٍ زائد بالمعلم بحثًا عن الأمان.
وتؤكد أن الصدمة الجماعية تنعكس على بيئة الصف كاملة. تزيد: "حين يكون معظم الأطفال قد مروا بتجارب فقدٍ أو نزوح، يتحول الصف إلى مساحةٍ مشحونة بالقلق".
برأيها يصبح التوتر معديًا، ويقل التركيز، ويصعب ضبط السلوك، "أما عن علامات اضطراب ما بعد الصدمة فتشمل فرط اليقظة، ونوبات البكاء المفاجئة، وتكرار الحديث عن الحدث أو إنكاره، واضطرابات النوم، والسلوك الانسحابي أو العدواني" تعقب.
الإنكار أحيانًا (حسب قولها) آلية دفاع نفسي لحماية الطفل من ألمٍ لا يحتمله، في إشارة إلى أولئك الذين يصرّون على رؤية الغائب كي يصدّقوا غيابه.
"المعلم، حتى دون تدريبٍ متخصص، يمكنه التخفيف من الأثر عبر بيئةٍ آمنة وروتينٍ ثابت ولغةٍ داعمة.. كلمة مطمئنة، ونبرة هادئة، ومناداة الطفل باسمه باحترام، أدوات بسيطة لكنها فعالة".
وترى عبير أن المعلم، حتى دون تدريبٍ متخصص، يمكنه التخفيف من الأثر عبر بيئةٍ آمنة وروتينٍ ثابت ولغةٍ داعمة.. "كلمة مطمئنة، ونبرة هادئة، ومناداة الطفل باسمه باحترام، أدوات بسيطة لكنها فعالة".
في الوقت ذاته، تشدد على أهمية تدريب المعلمين على مبادئ الإسعاف النفسي الأولي، لأنهم في الخط الأمامي، وتحذر من أن ترك العلامات دون تدخل قد يقود إلى آثارٍ طويلة الأمد مثل: قلقٍ مزمن، واكتئاب، وصعوبات تعلم، واضطرابٍ في العلاقات الاجتماعية، مختتمة حديثها بالقول: "التدخل المبكر ليس رفاهية، بل ضرورة لحماية جيلٍ كامل من أن يكبر وهو يحمل جراحًا غير مرئية".
في غزة، لا تكشف السبورة الدرس وحده، بل تكشف وجوهًا تحاول أن تتماسك. بين نجمةٍ على دفترٍ فارغ، وطفلٍ يرفض تصديق غياب والده، وأخرى تتعلم من جديد كيف تنطق، وطلابٍ يبنون خيامًا في ألعابهم كأن البيت صار ذكرى، تتشكل حكاية صفوفٍ تتعلم تحت وطأة الفقد.
هنا، يصبح التعليم محاولةً يومية لترميم ما كُسر، وتغدو الحصة مساحة نجاةٍ مؤقتة، يختبر فيها الأطفال شعورًا عابرًا بالأمان، ولو لدقائق.. وبين يدٍ تمسك بالطبشور وأخرى تربّت على كتفٍ مرتجف، يُكتب درسٌ آخر لا يظهر في المنهاج: كيف نحمي ما تبقّى من طفولةٍ في زمن الحرب؟
























