غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
قبيل أذان الظهر بقليل، وقفت أم محمد الهبيل عند مفترقٍ ترابيٍّ يبعد عن بيتها نحو كيلو متر تترقب سيارةً تقلها إلى أقرب محطة يمكن أن تصل بها إلى خانيونس. كانت تحدّق في الشارع كأنها تنتظر معجزة. تمرّ سيارة متهالكة تجرُّ خلفها عربة أخرى (جار ومجرور) محمّلة بأكثر مما تحتمل، تتجاوزها دراجة نارية بثلاثة ركّاب، ثم يسود الصمت.
تقرر بعد انتظارٍ تعدّى الساعة العودة، وتأجيل زيارة أمها في المدينة الجنوبية المدمرة إلى يومٍ آخر، لا تدري بعد كم سيكلفها انتظارًا ومالًا.
بعد الحرب، لم تعد المواصلات تفصيلًا يوميًا عابرًا، بل صارت عقدة الحياة نفسها. آلاف المركبات خرجت من الخدمة بين تدمير مباشر ونقصٍ حاد في قطع الغيار والوقود.
في غزة ما بعد الحرب، لم تعد المواصلات تفصيلًا يوميًا عابرًا، بل صارت عقدة الحياة نفسها. آلاف المركبات خرجت من الخدمة بين تدمير مباشر ونقصٍ حاد في قطع الغيار والوقود. الشوارع التي كانت تختصر المسافات تحوّلت إلى طرقٍ محفّرة، تتعثر فيها السيارات القليلة الباقية، فيرتفع معها ثمن الأجرة، ويرتفع معها أكثر ثمن اللقاء!
الرحلة التي كانت تستغرق دقائق، باتت تحتاج ساعات انتظار، ومبلغًا يساوي قوت أيامٍ لأسرة فقدت دخلها.

أم محمد هي من سكان حي الشيخ رضوان، تعيش اليوم في نصف منزل، بينما نصفه الآخر مفتوح على السماء. في السنوات الماضية، كان أول أيام رمضان موعدًا ثابتًا لزيارة أهلها في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، حيث كانت تخرج ظهرًا وتحمل معها طبقًا بسيطًا صنعته بحب، ثم تعود محمّلة برائحة أمّها ودعواتها. هذا العام لا يبدو أن الأمر سيكون بهذه السهولة، رغم وقف إطلاق النار، وعودة نبض الحياة -نوعًا ما- إلى شوارع غزة.
تقول لـ"نوى": "أحد السائقين كان في طريقه إلى خانيونس. طلب مني 50 شيقلًا كي يوصلني إلى المواصي في عربةٍ ملحقة بسيارته تتكدّس فيها الأنفاس".
مع أذان المغرب، اتصلت بأمها وهنّأتها بقدوم الشهر. ضحكت أمّها من داخل الخيمة محاولة إخفاء ارتجافة صوتها، وانتهت المكالمة سريعًا كي لا ينكشف الحنين أكثر.
وتتساءل: "كيف أذهب وأولادي بحاجة لكل شيكل؟". أهلها يعيشون اليوم في خيمة، وهي تعيش في بيتٍ بالكاد يُسمّى بيتًا. بينهما مسافة جغرافية قصيرة المدى، لكنها أثقل من قدرتها على الوصول.
مع أذان المغرب، اتصلت بأمها، وضعت الهاتف على مكبّر الصوت. تبادلت مع أمها التهاني بقدوم الشهر، ضحكت أمّها من داخل الخيمة محاولة إخفاء ارتجافة صوتها، وانتهت المكالمة سريعًا كي لا ينكشف الحنين أكثر. أغلقت الخط، ومسحت دمعة سقطت على كفّها، وعادت إلى قدر العدس الذي كان يغلي على نار الحطب.

في ميناء غزة أيضًا، حيث تصطفّ خيام النزوح على مقربةٍ من البحر، يجلس عبد الله ياسين أمام خيمته. كان يملك محلًا لبيع أدوات الزينة في سوق الشجاعية؛ ورمضان كان موسمه الذهبي لا سيما قبل أيامٍ من العيد. النساء كنّ يملأن المكان بحثًا عن تفصيلة فرح صغيرة. "أما اليوم، لا محلّ ولا بضاعة. منزلي في الزيتون دُمّر، ورأس مالي تلاشى تحت الركام".
"حتى الزيارة صارت ترفًا"، يقول بمرارة. لم يزر أقاربه هذا الشهر، لا لغياب الرغبة، بل لغياب القدرة. زوجته أيضًا لم تتمكن من زيارة أخواتها النازحات في دير البلح وسط قطاع غزة، وأهلها في الجنوب. يعقب: "المواصلات القليلة تفرض أسعارًا مضاعفة، والانتظار الطويل يعني يومًا ضائعًا بلا عمل، إن وُجد عمل أصلًا".
"اشتقت لجدتي كثيرًا"، تقول الطفلة، وتسأل والدها: "متى نذهب؟"، فيجيبها: السيارات قليلة، والأجرة مرتفعة. تحفظ الكلمات، لكنها لا تستوعب لماذا يحتاج العناق إلى ميزانية.
أما سارة أبو دان (12 عامًا)، فلا تفهم كل هذه الحسابات. جدّتها تسكن في بيت مستأجر بدير البلح وسط قطاع غزة بعد تدمير منزلها بالكامل في مدينة غزة، بينما تعيش هي مع عائلتها في حاصلٍ مستأجر بحي النصر، بعد أن دُمّر منزلهم في تل الهوى.
"اشتقت لجدتي كثيرًا"، تقول وهي تحتضن هاتف والدها. تسأله كل بضعة أيام: "متى نذهب؟"، فيجيبها بأن السيارات قليلة، والأجرة مرتفعة، والطريق متعب.
تحفظ الكلمات، لكنها لا تستوعب لماذا يحتاج العناق إلى ميزانية.
لم تعد حرية الحركة والتنقل في القطاع كما كانت قبل الحرب؛ أكثر من 70% من المركبات دُمّرت، وتضرّرت نحو 80% من الطرق العامة والبنية التحتية للنقل.
بعد عامين من القصف المكثّف، لم تعد حرية الحركة والتنقل في القطاع كما كانت قبل الحرب؛ أكثر من 70% من المركبات دُمّرت، وتضرّرت نحو 80% من الطرق العامة والبنية التحتية للنقل، ما جعل الشوارع غير صالحة لعبور السيارات العادية إلا ببطء وخطورة.
هكذا جاء رمضان في غزة: موائد ناقصة، وبيوت متباعدة، وقلوب معلّقة على طرقٍ مكسورة. لم تعد الزيارة طقسًا اجتماعيًا عابرًا، بل حلمًا مؤجلًا، تؤجّله الأجرة المرتفعة، ويعطّله نقص الوقود، وتؤلمه المسافات التي صنعتها الحرب.
في مدينة أنهكها الدمار، صار الوصول إلى الأهل امتحانًا يوميًا، وصار اللقاء نفسه رفاهية لا يقدر عليها الجميع.
























