شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:12 بتوقيت القدس

بعد عامين من غياب الطقوس..

نبضٌ خافتٌ في "الزاوية" وأُغنيةٌ لفانوس رمضان!

24 فبراير 2026 - 10:22
جانب من سوق الزاوية التاريخي مطلع رمضان الجاري
جانب من سوق الزاوية التاريخي مطلع رمضان الجاري

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يضغط الطفل عمر شاهين على زرّ فانوسه البلاستيكي الصغير، يشتعل الضوء لثوانٍ ثم يسكت، فيطلب من البائع أن يجرّب آخر. هنا لم يكن عمر يختبر جودة اللعبة بقدر ما يختبر صدق اللحظة! كل واحدٍ جرّبه كان بلونٍ مختلف، صوتٍ مختلف، ونكهة فرحةٍ مختلفة.

يلتفت إلى خالته التي ملّت الوقوف، لكنها تتفهّم فرحته، تبتسم وتهمس في أذنه: "إلى هنا ويكفي.. اختر واحدًا". في تلك الزحمة الخفيفة، غير المألوفة منذ عامين عاشهما قطاع غزة تحت وطأة "إبادةٍ" مُرة، بدا عمر وكأنه يستعيد طقسًا سمع عنه كثيرًا ولم يعشه من قبل؛ طقس السوق في رمضان.

"أتيت للزاوية بدافع إحياء الذاكرة. أردتُ لعمر أن يرى السوق حيًا، أن يسمع أصوات الباعة، وأن يعرف أن لرمضان ملامح تتجاوز المعلبات وطرود الإغاثة".

تخبرنا الخالة أسماء أن مجيئها إلى سوق الزاوية التاريخي وسط مدينة غزة لم يكن بدافع الشراء وحده، بل بدافع إحياء الذاكرة. أرادت لعمر أن يرى السوق حيًا، أن يسمع أصوات الباعة، وأن يشم رائحة البهارات، وأن يعرف أن لرمضان ملامح تتجاوز المعلبات وطرود الإغاثة.

تشير إلى الممر المقبّب وتقول إنهم كبروا هنا، وإن السوق لم يكن مكانًا عابرًا، بل فصلًا ثابتًا من طفولتها وإخوتها: "كان رمضان فعليًا يبدأ من هذه الأزقة".

يقع سوق الزاوية في قلب غزة، ممتدًا بين شارعي عمر المختار والوحدة، وتعود جذوره إلى العصر المملوكي قبل نحو سبعة قرون. عُرف بهندسته ذات القباب المتقاطعة، وبأسواقه الشعبية التي ضمّت البهارات والمخللات والمنتجات الفلسطينية التقليدية، إلى جانب سوق الذهب "القيسارية" الذي تضرر بشدة في الحروب المتعاقبة.

كان هذا السوق، قبل السابع من أكتوبر، قبلة الغزيين في رمضان، خصوصًا للعائلات التي اعتادت شراء حاجات الشهر دفعة واحدة، وكأنها تخزّن الطمأنينة مع المؤونة.

تتفحّص بركة حميد حبات التمر بعناية، وتقول: "الأسعار ما زالت مرتفعة، لكن وجود التمر نفسه يعدّ مكسبًا بعد عام من الندرة".

هناك، وعلى إحدى البسطات، تتفحّص بركة حميد حبات التمر بعناية، تسأل عن السعر وتقارن بين نوعين، ثم تقول: "الأسعار ما زالت مرتفعة، لكن وجود التمر نفسه يعدّ مكسبًا بعد عام من الندرة".

تستعيد رمضان الماضي بوصفه زمن المجاعة، حين كان السوق شبه خالٍ، والبضائع محدودة، والوجوه مثقلة، ولا مزاج لاحتفال ولا قدرة على الشراء، وتؤكد أن سوق الزاوية بالنسبة إليها ليس مجرد مكان للتبضّع، بل ذاكرة حيّة تعلّمت فيها أسماء البهارات على يد والدتها، وكانت زيارات ما قبل الإفطار جزءًا من طقس عائلي لا يكتمل الشهر من دونه.

بالنسبة لها، يبدأ رمضان من هنا، من قلب هذا السوق.

غير بعيد، يفتح بهاء الدين زيادة بسطته التي ورثها عن والده. يشير إلى آثار الدمار التي ما زالت واضحة على الجدران، ويقول: "السوق قُصف مرارًا خلال العامين الماضيين، وتوقّفت الحياة فيه كما لو أن الزمن انقطع".

ويعترف: "الحركة ما زالت ضعيفة، والقدرة الشرائية محدودة، لكن عودة الناس، ولو بخطوات مترددة، تعني لنا الكثير".

ويصف ما يحدث بأنه "نبضٌ خافت"، لكنه نبض على أي حال، وما دام النبض حاضرًا فإن القلب لم يتوقف.

مع اقتراب أذان المغرب، يضع عمر فانوسه الجديد في كيسٍ صغير، ويتلفّت حوله بفضول طفل يكتشف العالم للمرة الأولى. ربما لا يعرف عمر أن هذه القباب صمدت قرونًا، ولا أن سوق الزاوية كان يومًا عنوان رمضان في غزة، لكن حضوره هنا، بين بسطات عادت لتُفتح ووجوه عادت لتبتسم بحذر، يختصر أمنية مدينة كاملة: أن يعود السوق كما كان، وأن يكبر الأطفال وهم يعرفون أن لرمضان قلبًا، وأن هذا القلب، مهما أُثخن بالجراح، ما زال قادرًا على أن ينبض.

كاريكاتـــــير