شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م15:24 بتوقيت القدس

الكهرباء "سلعة" بلا ضابط..

مولّدات تلتهم أرزاق المطحونين بغزة.. ثمن "الضوء" باهظ

24 فبراير 2026 - 10:06

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في خيمته التي نصبها وسط مدينة غزة، يجلس محمود أبو عودة محاولًا حساب ما تبقّى من راتبه. منذ أن دمّر جنود الاحتلال منزله في بيت حانون شمالي القطاع، لم يعد يفكّر بالكهرباء بوصفها خدمةً اعتيادية، بل شريانًا يتوقف عليه تنفّس طفله الصغير.

يدفع أسبوعيًا بين 150 و200 شيكل لقاء التيار الذي يوفره أحد أصحاب المولدات التجارية، مبلغٌ يلتهم أكثر من نصف دخله، لكنه لا يملك ترف الاستغناء عنه.

"قبل شهرين كان سعر لتر السولار المستخدم في تشغيل المولدات يصل إلى 60 شيكل، ثم انخفض إلى ما يقارب النصف، غير أن تسعيرة الكهرباء بقيت ثابتة".

قبل نحو عامين عاش بلا كهرباء، إلى أن فرضت الحالة الصحية لابنه محمود، ذي الأعوام الثلاثة، قرارًا لا يحتمل التأجيل.

الطفل الذي يعاني الربو ومشكلات في الجهاز التنفسي يحتاج إلى تشغيل جهاز التبخيرة العلاجية مرات عدة يوميًا، ومع كل نوبة ضيق تنفس، تتضاءل الخيارات أمام الأب.

يخبر "نوى" أنه اضطر لتوصيل الكهرباء بسعر 30 شيكل للكيلوواط الواحد، رغم أن السعر في مناطق أخرى لا يتجاوز 18 شيكلًا، قائلًا: "أصحاب المولدات يرفعون التسعيرة دون مراعاة لأحوال الناس، في ظل غياب رقابة حكومية حقيقية تضبط السوق".

ويستعيد أبو عودة أرقامًا تختصر المفارقة؛ فقبل شهرين كان سعر لتر السولار المستخدم في تشغيل المولدات يصل إلى 60 شيكل، ثم انخفض إلى ما يقارب النصف، غير أن تسعيرة الكهرباء بقيت ثابتة.

ويرى أن المنطق يقتضي أن ينعكس انخفاض الوقود على كلفة الخدمة، خصوصًا أنها خدمة أساسية حُرم منها سكان القطاع منذ بداية الحرب، "لكن الواقع يسير في اتجاه آخر، حيث تتراجع أسعار المدخلات ويبقى العبء على كاهل المستهلك" يستدرك الرجل.

"جودة الخدمة نفسها لا توازي ثمنها، إذ تنقطع الكهرباء أحيانًا لأيام دون مبرر واضح، فيما تبقى الفواتير واجبة السداد في موعدها".

في دير البلح، يروي محمد أبو غبن أيضًا حكايةً مشابهة: وصل التيار إلى المخزن الذي يستأجره مع عائلته قبل أربعة أشهر بسعر 25 شيكل للكيلوواط الواحد، ويلتزم بدفع ما يقارب 80 شيكل أسبوعيًا، رغم أنه لا يستخدم الكهرباء إلا لشحن الهواتف وتشغيل الإنارة ليلًا.

ويصف التكلفة بأنها مرهقة إلى حد يفوق قدرة كثيرين، مشيرًا إلى أن جودة الخدمة نفسها لا توازي ثمنها، إذ تنقطع الكهرباء أحيانًا لأيام دون مبرر واضح، فيما تبقى الفواتير واجبة السداد في موعدها.

على الطرف الآخر، يقدّم يسري زعرب، المشرف على أحد المولدات التجارية في وسط القطاع، روايته، فيؤكد أن كلفة التشغيل في الظروف الراهنة مرتفعة، وأن هامش الربح محدود مهما انخفض سعر السولار.

ويلفت إلى أن التسعيرة لا تتحدد بالوقود وحده، بل تشمل تكاليف الصيانة، وزيوت المحركات، وكوابل التمديدات والشبكات، موضحًا أن سوق الوقود في غزة غير مستقر، فقد ينخفض السعر فترة ثم يقفز فجأة، كما حدث حين ارتفع اللتر من 50 إلى 80 شيكل، فيما بقي سعر الكهرباء آنذاك ثابتًا.

ويشدد على أن حديثه ليس تبريرًا لارتفاع الأسعار، بل مجرد وصف لواقع معقّد يعمل أصحاب المولدات في ظله.

"الوزارة حاولت مرارًا إقناع أصحاب المولدات بخفض التسعيرة بما يتناسب مع قدرة المواطنين الذين أنهكتهم الحرب، غير أن تلك المحاولات بقيت دون إطار إلزامي".

في المقابل، يغيب الصوت الرسمي الحاسم. محاولات التواصل مع الجهات المختصة لم تسفر عن رد حتى وقت نشر التقرير. أحد موظفي وزارة الاقتصاد (وفضّل عدم ذكر اسمه لعدم تخويله بالتصريح)، أقرّ بأن الوزارة حاولت مرارًا إقناع أصحاب المولدات بخفض التسعيرة بما يتناسب مع قدرة المواطنين الذين أنهكتهم الحرب، غير أن تلك المحاولات بقيت دون إطار إلزامي. يعزو ذلك إلى غياب قرار حكومي واضح، وإلى انعدام الاستقرار في السوق، وقلة الوقود، ونقص مستلزمات الصيانة، إضافة إلى غياب شركة الكهرباء الرسمية التي يمكن أن تضبط الإيقاع.

ويحذّر الموظف من أن أي إجراءات متسرعة قد تدفع بعض أصحاب المولدات إلى إيقاف الخدمة كليًا، وهو سيناريو يفاقم الأزمة بدل حلّها، في وقت يحتاج فيه السكان إلى الحد الأدنى من الكهرباء، حتى وإن كان بثمن باهظ.

ومنذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023م، دخل قطاع غزة في ظلام شبه كامل بعد توقف محطة التوليد الوحيدة عن العمل نتيجة نفاد الوقود ومنع إدخاله، إلى جانب قطع إمدادات الكهرباء القادمة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبذلك فقد القطاع مصدره الأساسي للطاقة خلال أيام قليلة، لتبدأ واحدة من أطول وأقسى أزمات الانقطاع الكهربائي في تاريخه.

قبل الحرب، كان سكان غزة يعانون أصلًا من عجز مزمن في الكهرباء، إذ لم تكن التغذية تتجاوز بضع ساعات يوميًا بسبب الحصار المستمر منذ عام 2007م، لكن ما حدث بعد أكتوبر الحرب، تجاوز إطار الأزمة المزمنة إلى الانهيار الكامل للبنية الكهربائية؛ شبكات التوزيع تضررت بفعل القصف، ومحطة التوليد خرجت عن الخدمة، فيما تعذر إصلاح الأعطال في ظل استمرار العمليات العسكرية وانعدام المواد وقطع الغيار.

تحوّل انقطاع الكهرباء من أزمة خدمية إلى عنصر مركزي في المعاناة اليومية، يمسّ الحق في الصحة والمياه والاتصال والحياة الكريمة.

ومع استمرار الحرب، وحتى بعد إعلان وقف إطلاق النار "الهش"، باتت الكهرباء في غزة مرهونة بالمولدات الخاصة ومصادر الطاقة البديلة المحدودة، في ظل سوق غير مستقر وأسعار مرتفعة، وهكذا تحوّل انقطاع الكهرباء من أزمة خدمية إلى عنصر مركزي في المعاناة اليومية، يمسّ الحق في الصحة والمياه والاتصال والحياة الكريمة، ويجعل الظلام واقعًا دائمًا لا مجرد انقطاع عابر.

بين خيمةٍ في غزة ومخزنٍ في دير البلح أو مخيم جنوبي القطاع، تتكرر الحكاية ذاتها.. وقودٌ يهبط، وتسعيرة تراوح مكانها، وأسرٌ تدفع ما تملك لتشتري ساعات من الضوء.

في قطاعٍ يعيش على حافة العتمة، لم تعد الكهرباء رفاهية، بل ضرورة تتعلق بالصحة والحياة والكرامة، وما بين غياب الرقابة وخشية توقف الخدمة، يدفع المواطن وحده الفاتورة، يدفع ثمن الضوء مضاعفًا، ويؤجل حساب الخسائر إلى حين تعود العدالة إلى تفاصيل حياته كلها.

كاريكاتـــــير