شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م17:12 بتوقيت القدس

صحافيون يعانون تقلصًا بدائرة العلاقات..

ساحةٌ مفتوحةٌ للفَقد في ذاكرة مَن غطّوا "مجازر"!

22 فبراير 2026 - 11:21

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تكتب مراسلة قناة "العالم" الإخبارية بمدينة جِنين راية عروق يومها بالحبر نفسه الذي تُكتب به الأخبار: دمٌ على الإسفلت، ووجوهٌ لا تغادر الذاكرة.

منذ عام 2021م، ومع تصاعد الاقتحامات وتشكّل ما عُرف بـكتيبة جنين، لم يعد العمل الصحفي في المدينة مهمة عابرة، بل تحوّل إلى إقامة دائمة في قلب الخطر. الميدان لم يعد حدثًا يُغطّى، بل واقعًا يُعاش ساعة بساعة، حتى باتت الحدود بين الواجب المهني والحياة الشخصية تتآكل بصمت.

تقول راية: "العمل استنزفني اجتماعيًا إلى حد الانسحاب شبه الكامل من محيطي العائلي. ضاقت دائرة علاقاتي، واتسعت دائرة الألم. صار أهالي الشهداء والأسرى جزءًا من يومي، لا بوصفهم مصادر خبر، بل شركاء وجع".

كثيرًا ما وجدت راية نفسها تنسى صفتها الصحفية، تميل إلى مواساة مصاب أو مساندة عائلة مكلومة، كأن الإنسانية تسبق الميكروفون بخطوة. وحين يتحوّل من تُجري معه مقابلة اليوم إلى شهيد في اليوم التالي، يصبح الخبر ثقيلاً إلى حدٍّ لا يُحتمل، وتغدو الذاكرة ساحة مفتوحة لفقدٍ متكرر.

مع الوقت، لم يعد الخوف هو الشعور الطاغي، بل شيء أشد قسوة: التبلّد. مرحلة تفقد فيها المشاعر حدّتها، كآلية دفاع أخيرة أمام فيض المشاهد الدامية.

تتحدث راية عن عملٍ بلا توقف، عن ليالٍ امتدّت في الشوارع، عن رصاصٍ كان قريبًا بما يكفي ليُذكّرها بأنها هدف محتمل، ومع ذلك ظلّ التركيز منصبًا على نقل الحقيقة كاملة.

تتحدث عن عملٍ بلا توقف، عن ليالٍ امتدّت في الشوارع، عن رصاصٍ كان قريبًا بما يكفي ليُذكّرها بأنها هدف محتمل، ومع ذلك ظلّ التركيز منصبًا على نقل الحقيقة كاملة. نعم هذه حقيقة، ففي فلسطين، لا يكون الصحافي/ـة ناقلًا للحدث فحسب، بل شاهدًا عليه، متورطًا فيه بإنسانيته قبل عدسته.

في غزة أيضًا، يختصر المصور والصحافي الحر محمد الأسود التحوّل في العمل الصحفي أثناء فترات الحروب والتصعيد بالقول: "إن الحرب ألغت كل الفواصل. قبلها، كان اليوم المهني محدد المعالم؛ وقت للتصوير، وآخر للمعالجة، ثم عودة إلى البيت. أمّا اليوم، فالعمل يمتد أربعًا وعشرين ساعة".

خلال حرب الإبادة، كان محمد ينام والكاميرا إلى جواره، ويستيقظ على صوت انفجار يسبق المنبّه. لم يعد ثمة فرق بين زمن الشخص وزمن الخبر، ولا بين المساحة الخاصة وساحة الحدث.

بصفته مصورًا وصحافيًا حرًا، تضاعفت أعباؤه. هو من يلتقط الصورة، ويكتب الخبر، ويبحث عن إشارة إنترنت.. قد يستغرق منه الأمر ساعات لإرسال مادة واحدة.

المعركة لم تعد مهنية فحسب، بل لوجستية أيضًا: كهرباء متقطعة، اتصالات ضعيفة، وتنقّل في مدينة أنهكها الدمار. هنا، يصبح إنتاج الخبر فعل صمود يومي، وتغدو كل مادة صحفية ثمرة جهدٍ يتجاوز حدود المهنة إلى حدود الاحتمال البشري.

وترى منى الأميطل أن الصحافة، حتى في الظروف العادية، مهنة تستولي على التفكير. الفكرة تلد أخرى، والموضوع يرافقك إلى البيت، ويجلس إلى جانبك في لقاءاتك العائلية.

"فكيف إذا اقترنت بالحرب؟" تتساءل، وتصف الأمر بدورانٍ في حلقة لا تنتهي؛ بحثٌ دائمٌ عن زوايا جديدة، وصياغة مستمرة لقضايا تتزاحم بلا هوادة.

يتقلّص الوقت الشخصي، وتتراجع المساحة المتاحة للعائلة والأصدقاء، بينما يبقى العقل معلّقًا بخيطٍ غير مرئي مربوط بغرفة الأخبار.

هذا الاستنزاف لا يمرّ بلا ثمن. الأخصائية النفسية ولاء حجازي تؤكد أن العمل الصحفي في الحروب يضع أصحابه تحت ضغوط نفسية مركّبة، تتجاوز الإرهاق المعتاد إلى مستويات أعمق.

وتقول: "التعرض اليومي لمشاهد العنف والقتل يفتح الباب أمام توتر مزمن، وقلق دائم، واضطرابات في النوم، نتيجة حالة الاستنفار المستمرة"، مضيفةً: "الأخطر هو الصدمة النفسية المؤجلة؛ تلك التي لا تظهر فورًا، بل تتراكم بصمت، قبل أن تتفجّر في صورة نوبات قلق أو تقلبات حادة أو تجنّب لكل ما يذكّر بالمشهد الأول".

أخصائية نفسية: "يدفع ضغط العمل بعض الصحافيين/ات إلى تقليص علاقاتهم الاجتماعية والابتعاد عن محيطهم الأسري، فيتعمّق لديهم/ـن شعور العزلة، ويتآكل التوازن النفسي تدريجيًا".

ويدفع ضغط العمل -والحديث لحجازي- بعض الصحافيين/ات إلى تقليص علاقاتهم الاجتماعية والابتعاد عن محيطهم الأسري، فيتعمّق لديهم/ـن شعور العزلة، ويتآكل التوازن النفسي تدريجيًا. هكذا، لا يكون الصحفي شاهدًا على المأساة فحسب، بل حاملًا لها في داخله، يسير بها من ميدان إلى آخر.

في الحروب، تختفي الفواصل.. لا يعود ثمة خط واضح يفصل بين من ينقل الألم ومن يعيشه.

الكاميرا لا تعزل صاحبها عن الرصاص، والميكروفون لا يحمي قلبًا من الانكسار، وبين السعي الدؤوب إلى الحقيقة ومحاولة النجاة الشخصية، يقف الصحفي في منطقة رمادية قاسية: يؤدي رسالته كاملة، فيما يدفع من روحه ثمن كل صورة، وكل كلمة، وكل خبر.

كاريكاتـــــير